ليس بعد تلاوة كتاب الله - عز وجل - عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله تعالى ورفع الحاجات بالأدعية الخالصة إليه سبحانه وتعالى، ولكن كثيرًا من المسلمين تركوا سلاحهم هذا، سلاح الدعاء، تركوه وراءهم ظهريًا، والبعض لا يرفع يديه البتة، وبعضهم يرفع يديه وهو موقن أنه لن يسمع، ولن يؤبه بدعائه، وإذا كان الخلاف في الدعاء وهل يرد القضاء؟ أو يغير في قوانين الله ونواميسه شيئًا، فإنه مما لا خلاف فيه أنه التجاء الضعيف إلى القوي، ورجاء الفقير من الغني، وتضرع من لا يملك من الأمر شيئًا إلى من بيده ملكوت السموات والأرض ثم إنَّ امتثال أمر الله تعالى وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء، والمسارعة إلى ما يحبه الله سبحانه، ومما يحبه من عباده وهو الدعاء إليه والضراعة بين يديه، أفضل من الجدال العقيم، في فائدة الدعاء، وجدوى الرجاء، عن أَنَس بْن مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - َ يَقُولُ:"قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً" [1]
المبحث الأول
الدعاء: مفهومه وأنواعه
المطلب الأول
مفهوم الدعاء
أولًا: الدعاء في اللغة:
(1) - الجامع الصحيح، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي كتاب الدعوات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، باب في فضل التوبة والاستغفار، وما ذكر من رحمة الله - عز وجل - ، 5/ 548، حديث رقم 3463. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.