فمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَلَمْحِ البَصَرِ، ومنهُمْ مَنْ يَمُرُّ كالبَرْقِ، ومنهُمْ مَنْ يَمُرُّ كالريِّح، ومنهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالفَرَسِ الجَوادِ، ومِنْهُم مَنْ يمرُّ كرِكَابِ الإِبِلِ، ومنهُمْ مَنْ يَعْدو عَدْوًا، ومنهُمْ مَنْ يَمْشي مَشْيًا، ومنهُمْ مَنْ يَزْحَفُ زَحْفًا، ومنهُمْ مَن يُخْطَفُ خَطْفًا ويُلْقى في جَهَنَّمَ؛ فإِنَّ الجِسْرَ عليهِ كَلاليبُ تَخْطَفُ النَّاسَ بأَعْمالِهِم، فمَنْ مَرَّ على الصِّراطِ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ.
فإِذا عَبَروا عَلَيْهِ؛ وَقَفوا عَلى قَنْطَرَةٍ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فيُقْتَصَّ لبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فإِذا هُذِّبُوا ونُقُّوا؛ أُذِنَ لهُمْ في دُخولِ الجَنَّةِ ). [1]
(1) قولُه: (وهُوَ الجسرُ) بفتحِ الجيمِ وكسرِها لُغتانِ وهُوَ الصِّراطُ.
قولُه: (يمرُّ النَّاسُ على قَدْرِ أعمالِهم) أي: أنَّهم يَكونون في سرعةِ المرورِ على حسَبِ مَراتِبهم وأعمالِهم. قولُه: (يَعْدُو عَدْوا) أي يَجري أو يَركُضُ.
قولُه: (يزحَفُ زَحْفا) قال ابنُ دُرَيدٍ: الزَّحفُ: هُوَ المشيُ على الاسْتِ مع إشرافِه بصَدْرِه.
قولُه: (فإنَّ الجِسْرَ عليه كُلاليبُ) جمعُ كَلُّوبٍ بفتحِ الكافِ وضَمِّ اللامِ المشدَّدةِ، وَهِيَ حديدةٌ معطوفةُ الرَّأسِ يُعلَّقُ فيها اللَّحمُ ويُرسلُ إلى التَّنُّورِ.
قولُه: (تَخطَفُ) هي بفتحِ الطَّاءِ ويجوزُ كَسرُها، أي يَختلِسُها، والخطْفُ: هُوَ استلابُ الشَّيءِ وأخْذُه بسرعةٍ. قولُه: (بأعمالِهم) أي: تخطَفُهم بسببِ أعمالِهم القبيحةِ.
قولُه: (فإذا عَبَروا عليه وُقِفوا) إلخ وَذَلِكَ لِما في الصَّحيحِ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال:
(( يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا ) ). وأَخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ بسندٍ صحيحٍ عن الحسَنِ قال: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( يُحْبَسُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْدَ مَا يَجُوزُونَ الصِّرَاطَ حَتَّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ظَلامَاتُ الدُّنْيَا وَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وَلَيْسَ فِي قُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ شَيْئًا ) ).
قولُه: (عَبَروا) أي: مَضَوْا ونَجُوا مِن السُّقوطِ في النَّارِ بعدَ ما جازوا على الصِّراطِ، قال القرطبيُّ: هؤلاء المؤمِنونَ هُم الذين عَلِمَ اللَّهُ أنَّ القِصاصَ لا يَسْتَنْفِدُ حسناتِهم. اهـ.
وخَرَجَ مِن هَذَا صِنفانِ: مَن دَخَلَ الجَنَّةَ بغيرِ حسابٍ، ومَن أَوْبَقَه عملُه.
قولُه: (على قَنطرةٍ) القَنطرةُ الجسرُ وما ارتفَعَ مِن البُنيانِ، قاله في القاموسِ، وَهَذِهِ القنطرةُ المذكورةُ في الحديثِ قيل: هي مِن تَتِمَّةِ الصِّراطِ، وَهِيَ طرَفُه الذي يَلِي الجَنَّةَ، وقيل: إنَّهما صِراطانِ، وبهَذَا جَزَم القرطبيُّ، ولكنَّ القنطرةَ صراطٌ خاصٌّ بالمؤمِنين، وليس يَسقُطُ أحدٌ مِنهم في النَّارِ. اهـ.
قولُه: (فيُقتصُّ لِبَعضٍ مِن بعضٍ) أي: يُستوفَى لكُلِّ واحِدٍ ما لَهُ عندَ الآخَرِ.
قولُه: (فإذا هُذِّبُوا ونُقُّوا) بضمِّ الهاءِ والنُّونِ، وهما بمعنى التَّمييزِ والتَّخليصِ مِن التَّبِعاتِ، انتهى، فتحٌ.
وقولُه: (أُذِنَ لهم في دخولِ الجَنَّةِ) أي: بعدَ اقتصاصِ بعضِهم مِن بعضٍ وخلاصِهم مِن التَّبِعاتِ التي بينهم فلا يَبْقَى في قلوبِ بعضِهم على بعضٍ شيءٌ، فيدخلونَ الجَنَّةَ وقد ذَهَبَ ما في قُلوبِ بعضِهم على بعضٍ مِن الغِلَّ والحِقدِ وغيرِ ذَلِكَ، قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مَّنْ غِلٍّ..) الآيةَ.