الصفحة 15 من 233

بَلْ يُؤمِنُونَ بأَنَّ اللهَ ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) . [1]

(1) قولُه ( بل يؤمنونَ بأنَّ اللهَ ليس كمِثلهِ شيءٌ وهو السميعُ البصيُر ) : كما قالَ سبحانَه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أي إنَّه سبحانه لا مثلَ له في ذاتِه، ولا في أسمائِه وصفاتِه، ولا في أفعالِه، فقولُه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ردٌّ على المُشَبِّهَةِ المُمَثِّلَةِ، وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ردٌّ على المُعطِّلةِ النُّفاةِ.

والكافُ في قولِه: ( ليس كمثلِهِ شيءٌ ) ، أصحُّ الأقوالِ أنَّها زائدةٌ، وهذا مَعروفٌ في لغةِ العربِ كقولِ الشَّاعرِ:

لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرٍ خَلْقٌ يُوَازِيهِ في الْفَضَائِلِ

في هذه الآيةِ المُتقدّمةِ فوائدُ:

الأُولى: إثباتُ السَّمْعِ والبصَرِ والردُّ على مَنْ زعمَ أَنَّ السَّمعَ والبصرَ بمعنى العلمِ، وفيها الردُّ على الُمعطِّلةِ الَّذين يَنْفُون الصّفاتِ بالْكُليّةِ، كالجهميّةِ، والَّذين يُثْبِتون الأسماءَ دون المعاني، كالمعتزلةِ الّذين يقولونَ سميعٌ بلا سمْعٍ، بصيرٌ بلا بصرٍ، وتَصَوُّرُ هذا القولِ يَكفي في ردِّه واسْتِهْجَانِهِ.

وفيها الردُّ على الأشاعرةِ الَّذين يُثْبتون بعضَ الصّفاتِ، ويُؤَوِّلُون البعضَ الآخرَ، وهم مُتَنَاقِضُون أعظمَ تناقُضٍ، وفيها النَّفيُ المُجمَلُ والإثباتُ المفَصَّلُ، وفيها الجمعُ بين النَّفيِ والإثباتِ، وفيها تقديمُ النَّفيِ على الإثباتِ، لأنَّ الأوّلَ من بابِ التَّخْلِيَةِ، والثَّاني من بابِ التَّحْلِيَةِ.

وفيها الجمعُ بين السَّمعِ والبصرِ، فكثيرًا ما يُقرَن بينهما لعمومِ مُتَعَلَّقِهِمَا، فسمْعُه سبحانه مُحيطٌ بجميعِ المَسْمُوعاتِ، وبصرُه مُحيطٌ بجميعِ المُبْصِرَات، وسمعُه سبحانَه ينقسمُ إلى قسمين:

الأوَّلِ: سمعٌ عامٌّ، وهو سمعُه سبحانَه لكلِّ مَسْمُوعٍ، كقولِه سبحانَه: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) .

الثَّاني: سمعٌ خاصٌّ، وهو سمعُ الإِجَابةِ والإِثَابَة، كما قال سبحانه: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) الآيةَ، ومنه قولُ العبدِ: ( سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ) أي استجابَ سبحانَهُ لمن حمِدَهُ وأثنى عليه، وفيها إثباتُ الصِّفاتِ للهِ على ما يليقُ بجلالِهِ وعظمتِه، وفيها أنَّ صفاتِه ليست كصفاتِ خلقهِ، والمخلوقُ وإنْ كان يُوصَفُ بأنَّه سميعٌ بصيرٌ فليس سمعُه وبصرُه كَسَمْعِ الرَّبِّ وبصرِه، فصفاتُ الخالقِ كما يليقُ بِه، وصفاتُ المخلوقِ كما يليقُ بِه، إذ لا مُنَاسبةَ بين الخالِقِ والمخلُوقِ، فصفاتُ كلِّ موصوفٍ تناسبُ ذاتَه وحقيقتَه، فلا يَعْلمُ كَيْفَ هُوَ إلا هُوَ.

قال بعضُ السّلفِ: إذا قالَ الجهميُّ: كيف استوى؟ كيف ينزلُ إلى السّماءِ الدّنيا؟ ونحوَ ذلك، فقل لَهُ: كَيْف هُوَ بِنَفْسِهِ؟ فإذا قالَ: لا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إلاَّ هُوَ، وَكُنْهُ البَارِي غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْبَشَرِ، فقلْ له: فالعلمُ بِكَيْفيَّةِ الصّفةِ مستلزمٌ للعلمِ بكيفيَّةِ المَوْصُوفِ فكيف يمكنُ أَنْ يُعلمَ كيفيَّةُ صفةٍ لموصوفٍ لم تُعْلَمْ كيفيّتُه، وإنَّما تُعْلمُ الذَّاتُ والصّفاتُ من حيث الجُمْلةُ، فلا سبيلَ إلى العلمِ بِالْكُنْهِ والكيفيّةِ، فإذا كانَ في المخلوقاتِ ما لا يُعْلَمُ كُنْهُهُ فكيف بالباري سبحانه، فهذه الجنّةُ، ورَد عن ابنِ عبّاسٍ: ليسَ في الدُّنيا ممَّا في الجنَّةِ إلا الأسماءُ، وهذه الرُّوحُ نَجْزِمُ بِوجودِهَا وأنّها تَعْرُجُ إلى السّماءِ وأنّها تُسلُّ منه وقتَ النّزْعِ، وقد أَمْسَكتِ النّصوصُ عن بيانِ كيفيّتِها، فإذا كان ذلك في المخلوقِ فكيفَ بالخالقِ سبحانه وتعالى؟

وفيها أعظمُ دلالةٍ على كثرةِ صفاتِ كمالِه ونُعُوتِ جلالِه، وأنَّها لكثرتِها وعظمتِها لم يكن له فيها مثلٌ.. وإلا فلو أُرِيدَ نفيُ الصّفاتِ لكانَ العَدَمُ المَحْضُ أَوْلَى بهذا المدحِ مع أنَّ كلَّ عاقلٍ يَفْهَمُ من قولِ القائلِ: فلانٌ لا مِثْلَ له أنّه قد تَميَّزَ عن النَّاسِ بأَوْصَافٍ ونُعوتٍ لا يشاركونَهُ بها، وهذا واضحٌ من معنى الآيةِ، أنَّ معناها إثباتُ الصّفاتِ لا نفيُها، خلافًا لأهلِ البدعِ من الجهميّةِ وغيِرِهم.

وفي الآية متمسَّكٌ لِمَنْ فَضَّل السَّمْعَ على البصرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت