مِثْلِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظاهِرَ قولِهِ: ( فِي السَّماءِ ) ؛ أَنَّ السَّمَاء تُظِلُّهُ أَو تُقِلُّهُ، وهذا باطِلٌ بإِجْماعِ أَهْلِ العِلْمِ والإِيْمانِ. [1]
(1) قولُه: (تُقِلُّه) أي: تحمِلُه وتَرفَعُه.
قولُه: (أو تُظِلُّه) أي تَستُره والظُّلَّةُ الشَّيءُ الذي يُظِلُّكَ مِن فوقُ.
قولُه (مِثل أنْ يَظُنَّ أنَّ ظاهِرَ قولِه:(فِي السَّماءِ) إلخ. أيْ: في مِثلِ قولِه سُبْحَانَهُ: (أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السَّماءِ) وقولِ الجاريةِ لمَّا سألَها النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قالت: (( في السَّماءِ ) ). وهَذَا ظَنٌّ فاسدٌ مصادِمٌ لأدلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ الصَّريحةِ الدَّالَّةِ على عُلُوِّ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- وفَوقِيَّتِه، وعلى أنَّه فوقَ عرشِه حقيقةً، بائنٌ مِن خَلقِه لا يَحِلُّ فيهم ولا يَختلِطُ، فليس في ذاتِه شيءٌ مِن مخلوقاتِه، ولا في مخلوقاتِه شيءٌ مِن ذاتِه، مَن زعَم غيرَ ذَلِكَ فقد ظَنَّ به ظَنَّ السَّوْءِ وتَنَقَّصَه غايةَ التَّنقُّصِ.
وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: فأهلُ السُّنَّةِ إذا قالوا: إنَّه فوقَ العرشِ، أو أنَّه في السَّماءِ لا يقولون: إنَّ هناكَ شيءٌ يحويه أو يَحصُرُه ويكونُ مَحلاًّ له أو ظَرْفا أو وِعاءً، تعالى اللَّهُ عن ذَلِكَ، بل هُوَ فوقَ كُلِّ شيءٍ، وهُوَ مُستغْنٍ عن كُلِّ شيءٍ، وكُلُّ شيءٍ مفتقِرٌ إليه، وهُوَ عالٍ على كُلِّ شيءٍ، وهُوَ الحامِلُ للعرشِ ولحمَلَةِ العرشِ بقُوَّتِه وقُدرتِه، وهُوَ غَنِيٌّ عن العرشِ وعن كُلِّ مخلوقٍ ... قال: وما جاءَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن قولِه: (( في السَّماءِ ) )قد يَفهَمُ منه بعضُهم أنَّ السَّماءَ نَفْسُ المخلوقِ العالي العرشَ فما دونَه، فيقولون إنَّ قولَه: (( في السَّماءِ ) )، كما قال: (لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) ولا حاجةَ لهَذَا، بل السَّماءُ جِنسٌ للعالي لا يَخصُّ شيئا، فقولُه: (( في السَّماءِ ) )، أي العُلُوُّ دُون السُّفْلِ، وهُوَ العليُّ الأعلى، فله أَعْلى العُلُوِّ، وهُوَ ما فوقَ العرشِ، وليس هناك غيرُ العليِّ الأعلى سُبْحَانَهُ. انتهى.
قال: فالجهميَّةُ وأشباهُهم لا يَصِفونه -سُبْحَانَهُ- بالعُلُوِّ، بل إمَّا أنْ يَصِفُوه بالعُلُوِّ والسُّفولِ، وإمَّا أنْ يَنْفُو عنه العُلُوَّ والسُّفولَ، فهُم نوعانِ: قِسمٌ يقولون: إنَّه في كُلِّ مكانٍ بذاتِه. والقِسمُ الآخَرُ يقولون: إنَّه لا داخِلَ العالَمِ ولا خَارِجَه، فالقِسمُ الأوَّلُ وَصَفُوه بالحُلولِ في الأمكِنةِ ولم يُنَزِّهُوه عن المَحالِّ المستَقْذَرةِ، والقِسمُ الثَّاني وَصَفوهُ بالعَدمِ - تعالى اللَّهُ عن قولِهم عُلُواًّ كبيرًا.