الصفحة 131 من 233

فإِنَّ اللهَ قَدْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاواتِ والأرْضَ، وهُوَ يُمْسِكُ السَّمَاواتِ والأرْضَ أَنْ تَزُولا، ويُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ على الأرْضِ؛ إِلاَّ بإِذْنِهِ، ( ومِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ والأرْضُ بأَمْرِهِ ) . [1]

(1) قولُه: (فإنَّه قد وَسِعَ كرسِيُّه السَّماواتِ والأرضَ) لمَّا ذَكَرَ المصنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- العُلُوَّ والفَوقِيَّةَ، وأنَّهما حقيقةٌ ثابتةٌ لِلَّهِ على ما يَليقُ بجلالِه وعظَمَتِه أَوْرَدَ بعد ذَلِكَ بعضَ الأدلَّةِ النَّقْلِيَّةِ والعقليَّةِ في إثباتِ ذَلِكَ فقال: (فإنَّ اللَّهَ قد وَسِعَ كرسِيُّه السَّماواتِ والأرضَ) أي: مَلأَ وأحاطَ، والكرسيُّ مخلوقٌ عظيمٌ بين يَدَيِ العرشِ، وهُوَ أعظمُ مِن السَّماواتِ والأرضِ، وهُوَ بالنِّسبةِ إلى العرشِ كأصغرِ شيءٍ، وقد ذُكِرَ ذَلِكَ، فإذا كانت السَّماواتُ والأرضُ بالنِّسبةِ للكرسِيِّ الذي هُوَ بالنِّسبةِ إلى العرشِ شيءٌ صغيرٌ واللَّهُ -سبحانَهُ وتعالَى- العظيمُ الأعظَمُ الذي لا أجلَّ مِنه ولا أَعْظَمَ، فكَيْفَ تحويه السَّماواتُ والأرضُ، أو تَحوطُه أو تُقِلُّه أو تُظِلُّه؟! فَهِذِهِ الآيةُ صريحةٌ في عُلُوِّ اللَّهِ ومُبايَنَتِه لخَلقِه، وأنَّه غيرُ مختلِطٍ بهم، ولا مُمازِجٍ لهم، ولا حالٍّ فيهم - تعالى اللَّه عمَّا يقولُ المتبدِعةُ عُلُواًّ كبيرًا.

قولُه: (وهُوَ يُمسِكُ السَّماواتِ والأرضَ أنْ تَزُولا) أيْ: أنْ تَضطرِبا عَن أماكِنِهما.

قولُه: (ويُمسِكُ السَّماواتِ أنْ تَقَعَ على الأرضِ إلا بإِذْنِه) أيْ: إلاَّ بأمْرِه ومشيئَتِه. وفي الصَّحيحَيْنِ عن أبي هريرةَ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يومَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثم يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ ) ).

قولُه: (ومِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بأَمْرِهِ) أي: مِن العَلاماتِ الدَّالَّةِ على وُجودِه -سُبْحَانَهُ- وعظيمِ قُدرتِه وقيامِ كُلِّ شيءٍ به، قال سُبْحَانَهُ: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بما كسَبَتْ) ، وقال: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيَّومُ) أي القائمُ لنَفْسِه المُقيمُ لِغَيرِه، القائمُ بتَدبيرِ خَلقِه وأرزاقِهم وجميعِ أحوالِهم. وفي الصَّحيحِ مِن حديثِ أبي موسى الأشعريِّ (( إنَّ اللَّهَ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ) )رواهُ مسلمٌ.

فَهِذِهِ الآياتُ صريحةٌ في أنَّ الرَّبَّ -سُبْحَانَهُ- ليس هُوَ عَينَ هَذِهِ المخلوقاتِ ولا صفةً ولا جُزءًا منها، فإنَّ الخالِقَ غيرُ المخلوقِ وليس بداخِلٍ فيها محصورٌ، بل هي صريحةٌ في أنَّه مُباينٌ لها، وأنَّه ليس حالاًّ فيها، ولا مَحلاًّ لها، فإنَّ الكرسيَّ في العرشِ كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، والعرشُ مِن مخلوقاتِ اللَّهِ، لا نِسبةَ له إلى قدرةِ اللَّهِ وعظَمَتِه، فكَيْفَ يُتَوهَّمُ بعدَ هَذَا أنَّ خَلْقًا يَحصُرُه ويَحويهِ؟ وفيها دلالةٌ على عظَمَتِه -سُبْحَانَهُ- وعظيمِ قُدرَتِه وعِظَمِ مخلوقاتِه، وقد تَعرَّفَ -سُبْحَانَهُ- إلى عِبادِه بصفاتِه وعجائبِ مخلوقاتِه، وكُلُّها تَدلُّ على كمالِهِ، وأنَّه المعبودُ الحقُّ وحْدَه ولا شريكَ له في رُبُوبيَّتِه وإلهِيَّتِه، وأنَّ العِبادةَ لا تَصلُحُ إلاَّ له، ولا يَصلحُ منها شيءٌ لِمَلَكٍ مُقرَّبٍ، ولا نَبيٍّ مُرسلٍ، فضلا عن غيرِهما، وتدلُّ أيضًا على إثباتِ الصِّفاتِ لِلَّهِ على ما يَليقُ بجلالِه إثباتًا بلا تَمثيلٍ، وتَنْزِيهًا بلا تعطيلٍ، وعلى هَذَا سَلَفُ الأمَّةِ ومَن تَبِعهم بإحسانٍ. وهُوَ الذي دَلَّتْ عليه أدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت