( وقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( يَضْحَكُ اللهُ إِلى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُما الآخَرَ؛ كِلاهُما يَدْخُلُ الجَنَّةَ ) ). مُتَّقَقٌ عليهِ). [1]
( وقَوْلُهُ: صلى الله عليه وسلم(( عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبادِهِ وَقُرْبِ خَيْرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ ) ). حديثٌ حسنٌ ). [2]
(1) وقَولُهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرُ كِلاَهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ) )مُتَّفَقٌ عليه، أيْ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، وتمامُه (يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ ) ) . انتهى. وروى هذا الحديثَ أحمدُ ومالكٌ والنسائيُّ وابنُ ماجةَ وابنُ حبَّانَ ورواه البيهقيُّ في (الأسماءِ والصِّفاتِ) .
في هذا الحديثِ فوائدُ:
أولًا: إثباتُ الضحكِ لله -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالهِ وعظمتِه.
ثانيًا: فيه فضلُ الجهادِ في سبيلِ اللهِ، وعظمِ أجرِ المجاهِدِ، وقدْ تكاثرتِ الأدلةُ في الحثِّ على الجهادِ في سبيلِ اللهِ.
ثالثًا: فيه فضلُ القتلِ في سبيلِ اللهِ، وأنَّ المقتولَ في سبيلِ اللهِ يدخلُ الجنةَ قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: يستفادُ منْ الحديثِ أنَّ كلَّ مَنْ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ يدخلُ الجنَّةَ.
رابعًا: فيه أنَّ القتلَ في سبيلِ اللهِ يكفِّرُ الذُّنوبَ.
خامسًا: فيه أنَّ التوبةَ تأتي على سائرِ الذُّنوبِ حتى ذنبِ القتلِ.
(2) قَولُهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( عَجِبَ رَبُّنَا ) )إلخ: هذا الحديثُ رواهُ أحمدُ، وابنُهُ عبدُ اللهِ في حديثٍ طويلٍ ولفظهُ (( ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ خَيْرِهِ ) )إلخ.
قَولُهُ: (( عَجِبَ ) )العَجَبُ لغةً: استحسانُ الشَّيءِ ويكونُ لاستقباحِ الشَّيءِ.
قَولُهُ: (( مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ ) ): القنوطُ هوَ شدَّةُ اليأسِ.
قَولُهُ: (( وَقُرْبِ خَيْرِهِ ) ): أيّ تَغيِيرهِ الحالَ مْن حالِ شدةٍ إلى حالِ رخاءٍ.
قَولُهُ: (( أَزَلِينَ ) ): الأزلُ بالسكونِ: الشدّةُ والضِّيقُ، والأزِلُ على وزنِ كَتفٍ: هو الَّذي أصابهُ الأزلُ واشتدَّ بهِ الحالُ حتى كادَ يقنَطُ، وهذا الحديثُ كقَولِهِ -سُبْحَانَهُ وتعالى: (وَهُوَ الَّذي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ) والمعنى أنَّهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- يعجبُ مِنْ قنوطِ عبادهِ عندَ احتباسِ القطرِ عنهمْ، وقنوطِهمْ ويأْسِهمْ مِن الرَّحمةِ، وقد اقتربَ وقتُ فرجهِ ورحمتِهِ لعبادهِ بإنزالِ الغيثِ عليهمْ، وتغييرهِ لحالِهمْ وهم لا يَشعرونَ فعندَ تَناهي الكرْبِ يكونُ الفرجُ كما قيلَ: (( اشتدِّي أزمةُ تَنفرجِي ) )وكما في الحديثِ: (( وَإِنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) )ففي هذا الحديثِ كغيرهِ مِن الأحاديثِ المتكاثرةِ جدًّا إثباتُ الضَّحكِ والعجبِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- حقيقةً كما يليقُ بجلالهِ وعظمتِه، والأحاديثُ في إثباتِ الضَّحكِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- متواترَةٌ، وفيه الردُّ على المعطِّلةِ من الجهميَّةِ والمعتزلةِ وغيرِهم الذينَ ينفونَ الضَّحكَ والعجبَ ويؤولونَ ذلكَ بتأويلاتٍ فاسدةٍ، وفيه إثباتُ النظرِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالى- وكلُّ هذه مِن الصِّفاتِ الفعليَّةِ فنثْبتُها للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- حسبَ ما جاءت بذلكَ الأدلَّةُ المتكاثرَةُ، وليسَ في إثباتِ هذه الصِّفاتِ محذورٌ ألبتَّةَ، فإنه ضحكٌ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، وعجبٌ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، وحكمهُ حكمُ رضاهُ ومحبَّتُهُ وإرادتهُ وسمْعُهُ وبصرُهُ وسائرُ صفاتِه، فالبابُ واحدٌ لا تمثيلَ ولا تعطيلَ، فالقولُ في الصِّفاتِ كالقولِ في الذَّاتِ، فكما أنَّنا نعتقدُ أنَّ للهِ ذاتًا لا تشبهُ الذَّواتَ فالصِّفاتُ يُحذى فيها حذوَ الذَّاتِ، والصِّفاتِ حُكمُها واحدٌ، وبابُها واحدٌ، فإذا أَثبتْنا بعضًا ونفيْنَا البعضَ الآخرَ تناقضْنَا؛ لأنَّ الأدلَّةَ التي أثبتتْ تلك الصفةَ هي التي ثبتَ بها النوعُ الآخرُ مِن الصِّفاتِ، فإثباتُ بعضٍ ونفيُ بعضٍ تناقُضٌ.
قَولُهُ: (( حديثٌ حسنٌ ) ): الحسنُ اصطلاحًا: هو ما عُرِفَ مخرجهُ واشتهرتْ رجالُه، وشروطهُ شروطُ الصَّحيحِ، إلاَّ أنَّ الضَّبطَ يكونُ أقَلَّ وأخفَّ مِنَ الصَّحيحِ، وهذا هو الحسنُ لذاتِه، وأمَّا الحسنُ لغيرِه فهو ما اختلَّتْ فيه شروطُ الصَّحيحِ لكن انجَبَرَ بمجيئِه مِن طُرقٍ أخرَى، والحسنُ يشارِكُ الصَّحيحَ في الاحتجاجِ بهِ.