يستخدم جمال الدين بن نُباتة النصَّ القرآنيَّ ليصوغه في شعره للتعبير عن الذاتية والغيرية معًا عن طريق تداخل الأحداث ليتناسب مع الموقف الراهن من خلال الاتكاء على النص القرآني من خلال التناص مع قوله تعالى { إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } (26) والنص القرآني يتحدث عن نصر المسلمين ، وفتح مكة ، والنص الشعري ، يتحدث عن نصر ممدوح الشاعر على أعدائه ، ولكن الشاعر عمل على تداخل نص قرآني آخر سابق على التناص الأصلي للآية المذكورة وهو (تَبَّتْ يَدُ) فتلاحم النصان وساعدا على إنتاج الدلالة عن طريق هذا التمهيد فهؤلاء الذين خذلوه في الحرب وتخلوا عنه -ممدوح الشاعر- قال عنهم (تبت يد خذلاننا) لذا كان النسيج الشعري متلاحمًا مع النسيج القرآني { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } (27) ، وقد جمع الشاعر في النص الشعري بين الضدين (الخذلان - النَّصْرُ) .
والنص القرآني عام ، والنص الشعري خاص للممدوح ، وأتى صدر البيت الثاني قائمًا على الاكتفاء (28) ، واتى عجز البيت الثاني متوافقًا مع النص القرآني والشعري في التركيب والمنطوق ، وهو ما يسمى بالاقتباس.
وفي ذلك المعنى يقول جمال الدين بن نُباتة (29) :
أهلًا وسهلًا بك من قادمٍ ... أطلع أنسي بعد طول المغيب
وكنت مخذولًا فقال الهنا: ... (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ)
وقد توالت الانتصارات على يد ممدوحه لذا جسَّدَ الشاعر الصورة الشعرية لتتلاءم والنص القرآني ، فهذا الانتصار قد تحقق بعد طول غياب ، فأتى التناص مع قوله تعالى { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } (30) .