الصفحة 15 من 19

قال ابن القيم رحمه الله: وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة، وهذه النكتة هي التي فاتت المعتزلة والكلابية [48] كليهما، فاستطالت كل طائفة منهما على الأخرى لعدم جمعهما بين هذين الأمرين، فاستطالت الكلابية على المعتزلة بإثباتهم العذاب قبل إرسال الرسل، وترتيبهم العقاب على مجرد القبح العقلي، وأحسنوا في رد ذلك عليهم، واستطالت المعتزلة عليهم في إنكارهم الحسن والقبح العقليين جملة، وجعلهم انتفاء العذاب قبل البعثة دليلا على انتفاء القبح واستواء الأفعال في أنفسها، وأحسنوا في رد هذا عليهم، فكل طائفة استطالت على الأخرى بسبب إنكارها الصواب، وأما من سلك هذا المسلك الذي سلكناه فلا سبيل لواحدة من الطائفتين إلى رد قوله، ولا الظفر عليه أصلا فانه موافق لكل طائفة على ما معها من الحق مقرر له مخالف في باطلها منكر له [49]

وقال كذلك: والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل أنه لا تلازم بينهماأي بين الحسن والقبح الذاتي المدرك بالعقل، وترتب الثواب والعقاب عليهما وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة كما أنها نافعة وضاره، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات ،ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل، فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها والعقاب عليها مشروط بالشرع [50]

وبين شيخ الإسلام أنواع الحسن والقبح في الأفعال فقال:

قد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:

أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة و لو لم يرد الشرع بذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت