ولكي أكون أكثر اقترابًا من المباحث الأسلوبية الحديثة واتجاهاتها المختلفة آثرت أن أسلك المنهج الأسلوبي في دراسة القضايا البلاغية والأسلوبية عند السكاكي، والانطلاق من بنية النص اللغوية في فهم الظاهرة وكشف أبعادها التنظيرية والتطبيقية ، دون الاعتماد علي مقولات سابقة أو آراء تحكمها اعتبارات ذاتية أو تأثيرية أو زمانية . إن تعاملنا مع النصوص البلاغية عند السكاكي لم يكن فيه نوع من القسر الذي يلوي عنق النص ، ويحمله من الدلالات ما ليس فيه ، لنزعم بسبقه إلى هذه الفكرة أو تلك ، وإنما هو تحليل للنصوص بأسلوب جديد يتخذ من التركيب اللغوي أساسًا له ، ثم إبراز القيم البلاغية والأسلوبية المتجلية فيها ، ومقابلتها بأسس المباحث الأسلوبية الحديثة . والسكاكي - على الرغم مما اتهم به باطلًا بأنه وراء جمود البلاغة العربية وعقم مباحثها- تناول كثيرًا من القضايا الأسلوبية المهمة التي نحن في حاجة ماسة إليها الآن ، لفهمها واستيعابها كي نتمكن من التعامل مع النصوص الأدبية الحديثة ، والكشف عن قيمها الأسلوبية والبلاغية بمنهج عربي أصيل . وأن ما قام به من تصنيف وتقسيم لمباحث البلاغة كان ضرورة علمية ومنهجية اقتضتها ظروف البلاغة العربية في مرحلة كانت تعاني من تداخل مباحثها وتفرقها وحاجتها إلى الضبط والترتيب ، وتلك خطوة مهمة لإصباغ البلاغة العربية بصبغة علمية ومنهجية ، تؤتي ثمارها المرجوة في الدرس البلاغي والنقدي على حد سواء .