الصفحة 4 من 442

إن قراءة التراث مرة ثانية ، ينبغي ألا تحملنا على أن نتوقع من النص القديم ما نتوقعه من نصوص حديثة معاصرة ، فقراءة القديم ينبغي أن تمر بمستويين متتاليين ومتعاضدين: المستوى الأول ، قراءة النص في ضوء سياقه التاريخي وظروف إنتاجه ، لنحدد الدلالات الحقيقية لهذا النص أو ذاك ، ثم نتناول في المستوى الثاني ، البذور الحداثية فيه ، والتي قد تبدو للوهلة الأولى أنها غريبة عن فهمنا النقدي الحديث ، لا تربطها به صلة أو قرابة ، ولكن إذا ما أنعمنا النظر فيها مرة تلو الأخرى ، نستطيع - بلا شك - أن نضع أيدينا على عناصر حداثية خصبة ، يمكن أن نحتضنها، وننميها ، في ظل الدراسات اللسانية الحديثة ، لتشكل أصولا لنظرية أسلوبية عربية ، كما دعا إليها بعض النقاد المحدثين . إنها- كما يقول الدكتور محمد عبد المطلب - قراءة استكشافية تقرأ القديم بعقل جديد ، وتعيد صياغته في لغة جديدة قادرة على الاستهلاك ثم الإنتاج ، فهي قراءة إيجابية تتحرك على السطوح والأعماق ، وتقدم المقدمات والنتائج ، وتربط التحليل بالتركيب ، وتبتعد عن الانغلاق المطلق ، والانفتاح المطلق ، وإنما حركتها محسوبة بدقة بينهما. وعلى الرغم من أن السكاكي قد استوحى معظم القضايا البلاغية والأسلوبية في كتابه مفتاح العلوم من مجهودات سابقيه ، أمثال عبد القاهر الجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة ، والإمام الزمخشري في كتابه الكشاف ، والفخر الرازي في كتابه نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز وغيرهم - على الرغم من ذلك - فإنه قد فاتهم تنسيقًا وتقسيمًا واستيعابًا لكثير من القضايا التي لا نزال نتعامل معها ، كما رسمها وحددها السكاكي في القرن السابع الهجري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت