وفي حديث أم هانئ عند ابن اسحاق وأبي يعلى نحو ما في حديث أبي سعيد هذا: فإن ثبت أن المعراج كان مناما، على ظاهر رواية شريك عند أنس، فينتظم من ذلك أن الاسراء وقع مرتين: مرة في المنام على انفراده توطئة وتمهيدا، ومرة في اليقظة مضموما الى الاسراء. وأما كونه قبل البعث فلا يثبت.
وجنح الامام أبو شامة الى وقوع المعراج مرارا، واستند الى ما أخرجه البزار وسعيد بن منصور من طريق أبي عمران الجوني عن أنس رفعه قال:"بينا أنا جالس، إذ جاء جبريل، فوكز بين كتفي، فقمنا الى شجرة فيها مثل وكري الطائر، فقعدت في أحدهما، وقعد جبريل في الآخر، فارتفعت حتى سدت الخافقين.."الحديث، وفيه:"ففتح لي باب من السماء، ورأيت النور الأعظم، وإذا دونه الحجاب رفرف الدر والياقوت.. ورجاله لا بأس فيهم، إلا أن الدارقطني ذكر له علة تقتضي إرساله. وعلى كل حال، فهي قصة اخرى، الظاهر أنها وقعت بالمدينة، ولا بعد في وقوع أمثالها، وإنما المستبعد وقوع التعدد في قصة المعراج، التي وقع فيها سؤاله عن كل نبي، وسؤال أهل كل باب: هل بعث اليه، وفرض الصلوات الخمس.. وغير ذلك فإن تعدد ذلك في اليقظة لا يتجه، فيتيعن رد بعض الروايات المختلفة الى بعض، أو الترجيح، إلا أنه لا بعد في جميع وقوع ذلك في المنام توطئة، ثم وقعه في اليقظة على وفقه كما قدمته."
ومن المستغرب قول ابن عبدالسلام في"تفسيره"كان الاسراء في النوم واليقظة ووقع بمكة والمدينة. فإن كان يريد تخصيص المدينة بالنوم، ويكون كلامه على طريق اللف والنشر غير المرتب فيحتمل، ويكون الاسراء الذي اتصل به المعراج وفرضت فيه الصلوات في اليقظة بمكة، والآخر في المنام بالمدينة. وينبغي أن يزاد فيه: أن الاسراء في المنام تكرر بالمدينة النبوية، وفي"الصحيح"حديث سمرة الطويل في الجنائز، وفي غيره حديث عبدالرحمن بن سمرة الطويل، وفي"الصحيح"حديث ابن عباس في رؤيا الأنبياء، وحديث ابن عمر في ذلك والله اعلم.