الصفحة 4 من 26

وروى أيضًا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة, حتى قامت بمهيعة- وهي الجحفة- فأوَّلت أن وباء المدينة نُقل إليها" [1] .

وروى الإمام أحمد [2] رحمه الله في مسنده, عن أبي قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم صلى بأرض سعد بأصل الحرة, عند بيوت السقيا, ثم قال: (اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك...) الحديث، وفيه: (اللهم حبّب إلينا المدينة، واجعل ما بها من وباء بخم، اللهم إني قد حرمت ما بين لابتيها كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم) .

التأمُّل في أحاديث تصحيح المدينة:

لو تأملنا في دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتصحيح المدينة، وأحاديث الرؤيا المتعلقة بهذا الأمر، لوجدنا أن هذا الدعاء يتكون من شقين اثنين:

الشق الأول:

هو تصحيح المدينة، والقضاء على وبائها الذي اشتهرت به في ذلك الحين, وهو الذي كان يسبب إصابة بعض من يسكنها بالحمى.

الشق الثاني:

هو نقل الوباء منها إلى الجحفة ومَهْيَعَة وخُمّ.

ولو تمعنّا في هذين الشقين من الدعاء لرأينا أن الشق الأول هو الأمر المطلوب الذي كان ينشده الناس في ذلك الحين وفي كل الأزمنة، بينما قد تُثار في النفس أسئلة واستفسارات عن الشق الثاني من الدعاء وهو نقل الوباء من المدينة إلى أماكن سُميت بأسماء مُختارة.

فما الحكمة في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكتف بدعاء الخالق القادر جلّت قدرته بتصحيح المدينة دون أن يتضمن هذا الدعاء نقل وبائها إلى أماكن أخرى سمّاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟

(1) صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كُورة فأسكنه موضعًا آخر، 21/418. وابن ماجه في سننه، باب تعبير الرؤيا 11/407. والترمذي في سننه، باب ما جاء في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم 8/254.

(2) المسند. مسند الأنصار, 5/209,حديث رقم 22696.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت