بالنسبة إلى الوجه الأول، يكون الإطناب للتنبيه على فضل المذكور أولًا، حتى كأنه ليس من جنسه"تنزيلًا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات" (29) كقوله جلَّ وعلا: [حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى] (30) . فالحفاظ على الصلوات، يتضمن حكمًا الصلاة الوسطى. لكن الباري آثر التخصيص، بعد التعميم، للتنبيه على فضل المخصَّص وهو هنا الصلاة الوسطى (أي صلاة العصر) كونها حلقة اتصال بين صلاتي السُّحور والعشاء.
أما الجانب الثاني أي، ذكر العام بعد الخاص، فكقوله تعالى، ذاكرًا أيام الصوم المتوجبة على الحاج والمعتمر غير القادرين على الصدقة والتضحية في الحج: [... فَمَنْ لم يَجِدْ فَصيامُ ثلاثة أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رَجَعْتُم تلك عشرة كاملة] (31) .
4-إطناب التكرير:
فصَّل القزويني أغراض هذا النوع فذكر منها خمسة، نلخصها على الوجه الآتي:
*النكتة؛ وهي هنا الفكرة اللطيفة المؤثرة في النفس (32) ، كتأكيد الإنذار في قوله تعالى: { كَلاَّ سوف تعلمون، ثم كَلاَّ سوف تعلمون } (33) . ففي التكرار إنذار مُبين أشد وأبلغ مما لو اكتفي بالآية الأولى.
*زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة، ليحصل قبول المتلقي لما يقال له أو يخاطب به كما في قوله تعالى: { وقال الذي آمن: يا قومِ اتَّبعونِ أهْدكُمْ سبيلَ الرَّشاد، يا قومِ إنما هذه الحياة الدنيا مَتاعٌ وإنَّ الآخرة هي دارُ القَرار } (34) .
*طول الكلام، زيادة في التأثير النفسي المطلوب، كقول الحق تبارك: [ثمَّ إنَّ ربَّكَ للَّذين هاجروا من بعد ما فُتِنوا، ثمَّ جَاهَدوا وصَبَروا، إنَّ ربَّكَ من بعدها لَغفورٌ رحيم] (35) . الفتنةُ ههنا، بمعنى الابتلاء والاختبار.