وجمعت هذه الآية من فنون البلاغة ما جمعت من احتباك وكناية واستعارة واحتراس وغيرها من الفنون , وأول هذه الفنون التي سنتناولها الإحتباك , حيث يلاحظ في بداية آية طه أنه قال { وَاضْمُمْ يَدَكَ} ثم قال { تَخْرُجْ بَيْضَاء} , فالذي يفهم منه انه عند دخولها لم تكن يده بيضاء , ولكنه عندما أخرجها خرجت بيضاء , فوقع بهذا حذفٌ من الطرفين على سبيل الإحتباك , فحذف (تدخل غير بيضاء) من الأول , وحذف {أخرجها} من الثاني لدلالة ضدهما عليهما في الأول والثاني , قال أبو حيان: (( وفي الكلام حذف إذ لا يترتب الخروج على الضم وإنما يترتب على الإخراج والتقدير {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} تنضم وأخرجها {تخْرِجُ } فحذف من الأول وأبقى مقابله،ومن الثاني وأبقى مقابله وهو {اضمم} لأنه بمعنى أدخل كما يبين في الآية الأخرى. {جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء} قيل خرجت بيضاء تشف وتضيء كأنها شمس ) ) [1] , وقال الالوسي نحو هذا الكلام: (( واصل الكلام: اضمم يدك إلى جيبك تنضم غير بيضاء وأخرجها تخرج , فحذف ما حذف من الأول والثاني,وأبقى ما يدل عليه , فهو إيجاز يسمى الإحتباك ) ) [2] .
ومن خلال هذا الكلام يتضح الإحتباك في الآية الكريمة , حيث ذكر (اضمم) التي بمعنى ادخل في الجملة الأولى دليلًا على حذف ضده في الثاني وهو (أخرجها) , وذكر (تخرج بيضاء) في الجملة الثانية دليلًا على حذف ضده في الأول وهو (تنضم غير بيضاء) وبهذا وقع حذفٌ من الطرفين وكلٌّ من المذكور يدل على المحذوف , وعليه يكون تقدير الآية الكريمة:
واضمم يدك إلى جناحك تنضم غير بيضاء
وأخرجها تخرج بيضاء من غير سوء
أو
واضمم يدك غير بيضاء إلى جناحك
وأخرجها تخرج بيضاء من غير سوء....
(1) البحر المحيط: 6/222.
(2) روح المعاني: 16 /179 .