ثم نطق الخليل حرف الألف الهوائي وهو (تَا) ، وباطن كفه قريب من فمه، ثم كرر الحرف وأطال فيه نحو (تَاااا، تَاااا) فأحس أن الهواء قد انتصب أي قام ونهض إلى أعلى الحلق، فكان أن سمّى هذه الحالة بحالة نصب الهواء إلى أعلى الحلق.
ثم نطق الخليل الحرف من غير أن يتبعه بالنفس الهوائي سواءً أكان ياءً أم واوًا أم ألفًا، وذلك نحو (إِتْ) فأحس أن الهواء المنفوث قد جزم أي قطع فكان أن سمى هذه الحالة بحالة جزم الهواء.
ومن ثم ضبط الخليل أربع حالات للهواء، وهي حالة جر الهواء إلى أسفل الكف، وحالة رفع الهواء عن مكان انخفاضه إلى أعلى الكف، وحالة نصب الهواء إلى أعلى الحلق، وحالة جزم الهواء.
قلت: ولما كان الهواء يحس ولا يرى فقد أراد الخليل أن يجعل لكل حالة من حالات الهواء غير المرئية علامة (أي بنية) مرئية حتى يسهل على المتعلم إدراك حالات الهواء، فكان الخليل رحمه الله أن اتخذ حركات الشفتين علامات على حالات الهواء المنفوث.
إذ تبين بالتجربة أن الهواء إذا كان في حالة جر إلى أسفل تحركت الشفة السفلى فانكسرت إلى أسفل، فكان أن جعل حركةَ كسرِ الشفة السفلى- وهي حركةٌ مرئيةٌ- علامةً (أي إشارة) على حالة جر الهواء غير المرئية.
ثم تبيَّن له بالتجربة أن الهواء إذا كان في حالة ارتفاع عن مكان انخفاضه تحركت الشفتان فانضم بعضها إلى بعض، فكان أن جعل حركةَ ضم الشفتين بعضِهما إلى بعضٍ - وهي حركةٌ مرئيةٌ - علامةً على حالة رفع الهواء غير المرئية.
ثم تبيَّن له بالتجربة أن الهواء إذا كان في حالة انتصاب إلى أعلى الحلق تحركت الشفتان فانفتح بينهما فتح صغير، فكان أن جعل حركةَ فتحِ الشفتينِ - وهي حركةٌ مرئيةٌ - علامةً على حالة نصب الهواء غير المرئية.
ثم تبيَّن له بالتجربة أن الهواء إذا كان في حالة جزم (أي قطع) عن النفث سكنت الشفتان عن الحركة، فكان أن جعل سكونَ الشفتين - وهو سكون مرئي- علامةً على حالة جزم الهواء غير المرئية.