إنَّ من الآداب التي يجب أنْ يتحلى بها الداعي هي توبته النصوح من كلّ ما يغضب الله عزّ وجلّ الذي يتوجّه إليه بالسؤال والدعاء والتَّضرُّع، وذلك حسب طاقته البشريّة، فإنَّ ما يحل بالإنسان من مصائب يكون بسبب المعاصي في أكثر الأحوال، قال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } [الشورى: 30] ، فالتوبة هي تغيير لحال العبد من حال إلى حال، قال تعالى { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }
[الرعد: 11] .
إنَّ الذنوب من أكبر الأسباب لسد أبواب الاستجابة أمام الداعي، ولذلك قال الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:"ما نزل بلاء إلاَّ بذنب ولا رُفِعَ إلاَّ بتوبة" [1] ، وقال يحيي بن معاذ الرازي ـ رحمه الله ـ:"لا تستبطئ الإجابة إذا دعوت وقد سددت طرقها بالذنوب" [2] . وقد أخذ هذا المعنى أحد الحكماء فنظمه في قوله:
نحن ندعوا الإله في كلّ كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابة لدعاء ... قد سددنا طريقها بالذنوب
إنَّ من أقوى أسباب الفلاح والنجاح للعبد في الدنيا والآخرة هي التوبة الخالصة له سبحانه وتعالى { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور: 31] ، فأيّ فلاح ينتظره العبد في الدنيا أعظم من رضى الله تعالى، وأنْ يكون العبد مستجاب الدعاء.
[2] الخشوع والخضوع واستحضار القلب مع عدم رفع الصوت بالدعاء:
(1) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: لابن قيم الجوزية، ص 58.
(2) شعب الإيمان: للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، 2/54.