النظريات والقواعد الفقهية: إن الدارس للفقه والتشريع الإسلامي ليكبر جهود أهل العلم في تقنين الأحكام وتقعيدها، على شكل قواعد كلية، ونظريات أغلبية، تجمع شتاتًا من الفروع، حتى غدت هذه القواعد شبيهة بمواد القانون المعروفة في مجلة الأحكام العدلية وغيرها، ولعل قائلا يقول بأن قواعد المذهب المالكي لم تساير ما ذكرناه من الجمع بين الشعب الثلاث في ثنايا هذه القواعد، والتي قد لا تطاوع الفقيه في موادها إلا أن تكون على نحو جامد لا روح فيه أشبه بمواد القانون الجافة التي لا تخرج عن (افعل أو لا تفعل) مع ترتيب الجزء العقابي على المخالف، ولك وقفة عجلى على بعض كتب القواعد الفقهية المالكية تجعلك تحكم بخلاف هذا، إذ أن المقري مثلا اعتمد منهج أسلافه في الوقوف على أسرار الأحكام ومقاصدها المبنية على الكتاب والسنة حيث يقول (14) في القاعدة: (224) :»يكره تكثير الفروع النادرة والاشتغال عن حفظ نصوص الكتاب والسنة، والتفقه فيهما بحفظ آراء الرجال والاستنباط منهما والبناء عليها ... فالمهم المقدم «، ويقول في شرحه لهذه القاعدة كلاما شبيها بكلام ابن عجيبة في شرح الحكم العطائية التي تسيل حكمة ونورا، وتترنح في أثواب جليلة من الشوق والذوق، يقول: » وما أضعف حجة من يرد يوم القيامة وقد أنفق عمرا طويلا في العلم فيسأل عما علم من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يوجد عنده آثاره من ذلك بل يوجد قد ضيع فرضا كثيرا من فروض العين من العلم بإقبال على حفظ فروع اللعان ... وسائر الأبواب النادرة الوقوع، وتتبع سائر كتب الفقه مقتصرا في ذلك على القيل والقال معرضا عن الدليل والاستدلال« (15) .