الصفحة 7 من 15

ثم إن التأليف الحسن، والصنعة الماهرة، والتنويع والتبويب والتقسيم يزيد من عمر الكتاب، ويطيل أمد الانتفاع به، بل إنه وسيلة من وسائل الإغراء للإقبال عليه والعكوف على درسه، وما فعله مسلم بن الحجاج في صحيحه أغرى المغاربة ففضلوه على صحيح البخاري، حتى قالوا: (وفاز بحسن الصنعة مسلم) ، فالأفضلية لمسلم على البخاري محمولة على حسن الوضع وجودة الترتيب، وذكر ابن شاس أن الكثير من المالكية مالوا عن مذهبهم إلى المذهب الشافعي في زمانه، أنهم درسوا كتاب الوجيز لابي حامد الغزالي، والذي حمره وخضره وأدخل عليه الألوان فكان سهل المنال، قريب البلغة، بخلاف غيره، من التواليف، فأراد أن يصنع للمالكية كتابا على نهج الغزالي، فكتب (عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة) .ورحم الله ابن جزي الذي جاء بكتاب القوانين على أتقن ما تكون التآليف رغم اختصاره فإنه آية في التقسيم والتبويب، بحيث يسهل تشجير مسائله وحفظها وتناولها، كما أنه جعل الأبواب والشعب الثلاثة المذكورة في الرسالة من عقيدة وفقه وأخلاق في الكتاب الشامل الجامع. وقد جرى على هذه الطريقة في التأليف الكثير من أئمة المذهب حتى تآليفهم في الفتاوى والنوازل، كما فعل الونشريسي في الكتاب الجامع من (المعيار المعرب) ، والقرافي في (الذخيرة) ، حيث نجد أسئلة في الجمع حول التفسير وعلوم القرآن والعقيدة والسيرة وغيرها، يقول القرافي في الكتاب الجامع: »وهذا يختص بمذهب مالك لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب، وهو من محاسن التأليف ... وهي ثلاثة أجناس ما يتعلق بالعقيدة وما يتعلق بالأقوال وما يتعلق بالأفعال« (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت