الصفحة 18 من 19

ولقائل أن يقول: إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، فيجاب هذا بأن ششرع من قبلنا إن قررنا عليه من قبل شرعنا كان شرعا لنا اتفاقا ، وهذا ما توفر في مسألتنا ، فقد ثبت في الصحيح أن خبيبا الأنصاري رضي الله عنه قال:"اللهم أحصهم عددا واعتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا" [ البخاري مع الفتح 7 / 379 ـ 383 ] ، فعلينا معشر المسلمين ـ وأخص بالذكر علماءنا وفقهاءنا والمنتسبين منا إلى العلم ـ أن نحذر من غضب الله وتحريف الكلم عن مواضعه وكتمان الحق ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فؤلئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) قال في الآية الكريمة (بينوا) : فصلوا وما أجملوا ، فمنا من ينخاف من لعن الكفار ويبرر عدم جوازه بأي مبرر ولا يخاف من لعن الله ، ولعن اللاعنين حين يكتم الحق ويلبس الحق بالباطل.

فعلى العالم أن يصدع بالحق ، فتلك وظيفته وذلك الذي يرضى الله عنه ، وإذا رضي الله فليسخط الناس ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:"من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس"

ـ ثم إنه إذا تواطأ الناس على ترك المباح بالجزء أو المندوب بالجزء فإن ذلك يصيرهما واجبين بالكل ، وعليه فإنه إذا قرر الحاكم على ألسنة الفقهاء المنع من قنوت النازلة في المساجد فإنه ينتقل بذلك إلى واجب بالكل ، يقول الشاطبي ـ رحمه الله ـ مبينا هذا المعنى:"فإذا فرضنا ترك الناس كلهم ذلك ـ يعني المباح بالجزء ـ لكان تركا لما هو من الضروريات المأمور بها ، فكان الدخول فيها واجبا بالكل ..."ثم يمضي قائلا: إذا كان الفعل مندوبا بالجزء كان واجبا بالكل كالأذان في المساجد وصلاة الجماعة .. لأن في تركها مضادة لإظهار شعائر الدين"الموافقات: 1 / 93 ـ94"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت