وهذا لب الإعجاز البلاغي القرآني، الذي لا مطمع لأبلغ البلغاء في متابعته فضلا عن مجاراته. ومَن تجشم عناء معارضته من أهل الشقاق، ما زاد على أن فضح نفسه، وأتى بما جعله هزؤا أبد الدهر) [1] (. أما كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه - على بلوغه أعلى مراتب الفصاحة - فيه من آثار النفس الإنسانية ما يجعل البلغاء يطمعون في محاكاته، لما يلمسونه من الصلة البشرية بينهم وبينه.
وأمر آخر له تأثير في هذا التفريق بين القرآن الكريم والبلاغة النبوية، وهو مسألة الرواية بالمعنى في الحديث. وهي مسألة عظيمة الشأن جدا، جديرة بأن تخصص لها وقفة يسيرة، تجلو غوامضها.
وجماع الأمر فيها، أن الرواية بالمعنى ثابتة في طائفة من الأحاديث النبوية، حتى قال الثوري: (إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى ) ) [2] (. لكن، لا يكون ذلك مانعا في الاستدلال بالحديث على الأصول العامة للبلاغة النبوية، وذلك للأوجه التالية:
الوجه الأول: أن الأصل عند المحدثين الاعتناء بضبط ألفاظ الحديث، ومنهم من كان يتشدد في ذلك - على ما هو مقرر. فالرواية بالمعنى أمر عارض لا ينبغي أن يسوى بالأصل الثابت. يؤكده
الوجه الثاني: وهو أن من قال من الحفاظ بجواز النقل بالمعنى، إنما قاله من باب التجويز العقلي، الذي لا يتنافى - في الغالب - مع وقوع عكسه. فالغالب على الظن أن الألفاظ الأصلية للنبي صلى الله عليه وسلم لم يطرأ عليها تبديل البتة، أو لم يساورها غير شيء من التبديل يسير.
الوجه الثالث: أن الرواية بالمعنى - على فرض كونها محل اتفاق - لا تعم كافة أصناف الحديث. وإنما الغالب وقوعها في الأحاديث الطويلة. أما الأحاديث القصار، أو حِكم النبي صلى الله عليه وسلم وأمثاله، ونحو ذلك، فإن الرواة يحافظون على نصها، ولا يعدلون عنه، لانعدام الحاجة إلى ذلك.
(1) 9- ... كما ذكروا عن مسيلمة الكذاب، وأضرابه.
(2) 10- ... أخرجه ...