فهذه الآية حرم الله تعالى فيها الشرك به ، وقتل النفس المعصومة إلا بالحق - أي: حال كونكم عند قتلها ملتبسين بالحق - ، والزِّنا .
فإن قيل: لم نزَّه الله عباده عن هذه الكبائر بعدما نزههم عما دونها، وكان العكس أولى ؟
فالجواب:"المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المؤمنين وسيرة الكفار، كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلها آخر وأنتم تدعون ، ولا يقتلون النفس وأنتم تقتلون الموؤدة ، ولا يزنون وأنتم تزنون" ( [[1] ]) .
ويدل على التحريم من الآية كذلك قوله تعالى: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) } . قيل في الأثام:"واد في جهنم" ( [[2] ]) ، وقيل: العقاب ، وأورد الطبري رحمه الله ( [[3] ]) دليله من الشِّعر:
جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقًا والعقوق له أثام ( [[4] ])
وقيل: لقي أثام ذلك أي: جزاء ذلك ، ولا منافاة بين هذه المعاني .
ومن الأدلة كذلك:
(1) / تفسير الرازي: 24/ 56 . والبيت لشافع الليثي ، انظر اللسان: 12/6 .
(2) / الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، للشيخ العلامة عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي ، دار الفكر ببيروت ، الطبعة الأولى ، 1993م: 6/ 277
(3) / محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري الإمام أبو جعفر ، وُلد سنة أربع وعشرين ومائتين ، رأس المفسرين على الإطلاق ، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، وله التصانيف العظيمة ، منها: تفسير القرآن وهو أجل التفاسير لم يُؤلَّف مثله ، وتهذيب الآثار ، وتاريخ الأمم والملوك ، وكتاب اختلاف العلماء ، وكتاب القراءات ، وكتاب أحكام شرائع الإسلام وهو مذهبه الذي اختاره بعد أن كان شافعيًا ، تُوفي سنة عشرين وثلاثمائة . انظر طبقات المفسرين للداودي: 1/50.
(4) / تفسير الطبري: 6/229