والناظر في صيغ الخطاب القرآني، يجد أنها تؤكد وحدة الأصل الإنساني، فكثيرًا ما تتكرر في القرآن صِيغ النداء بـ {يا أيها الناس} و {يا بني آدم} ، مما يشير إلى أن الله سبحانه كرّم هذا الإنسان وفضّله على كثيرٍ من خلقه، مُعلنًا بذلك مبدأ المساواة بين البشر، فلا فضل لجنس على آخر باعتبار اللون والعنصر والنشأة. ويرتقي بهذا الإنسان حين يعلن أنّ أساس الثواب والعقاب يرتكز على النوايا والأعمال لا على الظواهر والأشكال. قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وقال صلى الله عليه وسلم: »إن الله عز وجل لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم« [1] .
ولكن البشريّة حين تُغيِّبُ عقولها، وتطمس ضمائرها، تتناسى هذا المبدأ، وتضرب بكل هذه القيم عرض الحائط، فتنتشر العنصرية البغيضة. حتى وصل الأمر عند اليهود إلى الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار، وأنَّ غيرهم من الناس ليسوا إلا عبيدًا خلقهم الله لخدمتهم. وهكذا انتشرت الفكرة العنصرية المقيتة بين كثيرٍ من الشعوب والأمم، فجعلتها تتقاتل على أساسها، ويظلم بعضها بعضًا، متناسيةً وحدة أصلها وصلة القربى فيما بينها، فكان ما كان؛ أنْ حلَّت المصائب والفتن والاعتداءات هنا وهناك.
وبعد أن بين لنا القرآن وحدة الأصل الإنساني، فإنه يبين لنا في سياقٍ آخر أنَّ هذا الأصل تفرَّعت عنه الشعوب والقبائل والأمم، وأنَّ الهدف من هذا التنوع بين الناس هو الاتصال والتفاهم والتعارف فيما بينهم. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [2] .
(1) ابن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني: المسند، (مصر: مؤسسة قرطبة) ، رقم 10973، ج2، ص539.
(2) سورة الحجرات: الآية 13.