هذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ مع التتار، فقد مرّ عليهم في يوم من الأيام وهم يشربون الخمر ، فلم ينكر عليهم ، بل أنكر على من أنكر عليهم ، مع أنّ شرب الخمر حرام باتفاق يجب الإنكار عليه وإقامة الحدّ فيه ، ولكنه مع ذلك أنكر على المنكر ولم ينكر على المتعدّي حدود الله، وهذا من فقهه العميق ونظره الدقيق ، وتمكّنه من الغوص في أسرار التشريع وحِكَمِ الشريعة ومقاصدها ، لأنَّ شرب الخمر حُرّم من أجل إفساده على الشارب عقله وصدّه عن ذكر الله وعن الصلاة، فإذا كان في شرب الخمر إشغالٌ للشارب عن التعدّي على الآخرين، والإتيان على بقية المقاصد الخمسة: الدين، والنَّفس، والعقل، والنَّسل، والمال؛ فالسكوت على الشارب يكون أقرب إلى مقصود الشارع من الإنكار عليه.
وهذا ما فعله بتدبّر وحكمة شيخُ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ؛ قال ابن القيم:"سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ونوّر ضريحه ـ يقول: مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي ، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرّم الله الخمر لأنها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم" [1] .
وهذا الموقف لا يوفّق له إلاّ من كان ريان من فقه الشريعة وفهم مقاصدها في الخطاب والأحكام ـ رحمه الله تعالى ـ.
المسلك الخامس: تقديم الأنفع والأصلح بالموازنة والمقارنة بين المصالح الدينية والدنيوية:
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين: لابن القيم، المصدر السابق نفسه، 3/ 5.