الصفحة 8 من 68

* وبعد انتهاء الحرب الكونية الثانية قامت حرب من نوع جديد بين الحلفاء وهي حرب دعائية تقوم على الكذبة الصغيرة والمتوسطة والكبيرة معًا، لا على المدافع والقنابل والصواريخ العابرة للقارات ـ وهي فترة الحرب الباردة ـ الدعائية النفسية المركزة والتي أودت بالاتحاد السوفييتي بعد توريطه بغزو الفضاء وكان اقتصاده لا يحتمل تلك النفقات الهائلة، فرضخ لثقل المهمة ودفع ما دفعه من ثمن باهظ.. أما دافع هذه الحرب فهو تعدد أنظمة الحكم في العالم والعقائد الاجتماعية والأحزاب.. ولهذا ارتكزت في صراعها على وسائل الإعلام لا على آلة الحرب الفاتكة واهتمت بالرأي العام العالمي ووسائل الاتصال الجماهيرية..

* ومع تقدم التقنية والتطور الإعلامي المعاصرين قامت الدول والشركات بإنشاء محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية متخصصة أخذت توجه موادها إلى جمهور أفقي، وجمهور عمودي موجود بفعل دافع الاهتمام، الهواية، المهنة، التخصص. وهكذا أنشئت قنوات تلفزيونية تراثية موجهة، وأخرى رياضية (اعتمدت في البدء على برامج الملاكمة) ، وأخرى فكرية وأدبية انتهجت نمط ما يسمى بالحداثة أي قطع الصلة مع الماضي والتمتع باللحظة وعدم التفكير بالمستقبل..

إلا أن التزايد الكبير في عدد القنوات، خلخل مكانة القنوات الإعلامية السابقة، في العالم عمومًا ومن ضمنها منطقتنا العربية. وتجلى ذلك في تناقص عدد جمهور هذه القنوات ومتتبعيها، بعد أن أعيد ترتيب هذا الجمهور والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وخطابها من جمهور الأمة الواحدة أو كشعب موحد، ذي أهداف ومثل وقيم وتجارب اجتماعية وعاطفية، إلى برامج من نوع خاص، همها نسف هذه القيم من جهة، وتقويض سلطة وصلاحية"الدولة الوطنية"من جهة أخرى، وأصبحت تخاطبه كفئات اجتماعية مشتتة مفككة وبلا رابط وطني أو قومي أو أخلاقي وبلا هوية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت