فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 246

قلت: هذا تفسير بلازم اللفظة, وحقيقتها أعم من ذلك, فان العرب تقول: أعياني أن أعرف كذا وعييت به اذا لم تهتد لوجهه ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول: أعياني دواؤك اذا لم تهتد له, ولم تقف عليه. ولازم هذا المعنى العجز عنه. والبيت الذي استشهدوا به شاهد لهذا المعنى, فان الحمامة لم تعجز عن بيضتها, ولكن أعياها اذا أرادت أن تبيض أين ترمي بالبيضة, فهي تدور وتجول حتى ترمي بها, فاذا باضت أعياها أين تحفظها وتودعها حتى لا تنال, فهي تنقلها من مكان الى مكان وتحار أين تجعل مقرّها, كما هو حال من وعى بأمره فلم يدر من أين يقصد له ومن أين يأتيه, وليس المراد بالاعياء في هذه الآية التعب, كما يظنّه من لم يعرف تفسير القرآن, بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله: {وما مسّنا من لغوب} ق38.

ثم أخبر سبحانه أنّهم: { في لبس من خلق جديد} ق15. أي أنهم التبس عليهم اعادة الخلق خلقا جديدا, ثم نبههم على ما هو أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيّته وأدلة المعاد وهو خلق الانسان, فانه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد.

وأي دليل أوضح من تركيب الصورة الآدميّة بأعضائها وقواها وصفاتها, وما فيها من اللحم والعظم والعروق والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والارادات والصناعات, كل ذلك من نطفة ماء.

فلو أنصف العبد لاكتفى بفكره في نفسه, واستدل بوجوده على جميع ما أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه وصفاته.

ثم أخبر سبحانه عن احاطة علمه به, حتى علم ما توسوس به نفسه, ثم أخبر عن قربه اليه بالعلم والاحاطة وأن ذلك أدنى اليه من العرق الذي داخل بدنه, فهو أقرب اليه بالقدرة عليه والعلم به من ذلك العرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت