فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 246

(ثانيهما) أن الحديث نفسه يردّه, فان سببه قصّة حاطب وتجسسه على النبي صلى الله عليه وسلم, وذلك ذنب وقع بعد غزوة بدر لا قبلها, وهو سبب الحديث, فهو مراد منه قطعا, فالذي نظن في ذلك, والله أعلم أن هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه وتعالى أنّهم لا يفارقون دينهم, بل يموتون على الاسلام, وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب, ولكن لا يتركهم سبحانه مصريّن عليها, بل يوفّقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو اثر ذلك. ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم لأن قد تحقق ذلك فيهم, وأنهم مغفور لهم. ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم, كما لا يقتضي ذلك أن يعطّلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة, فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتجوا بعد ذلك الى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد, وهذا محال.

ومن أوجب الواجبات التوبة بعد ذلك, فضمان المغفرة لا يتوجّب تعطيل أسباب المغفرة, ونظير هذا قوله في حديث آخر:"أذنب عبد ذنبا فقال: أى رب أذذنبت ذنبا فاغفر لي, فغفر له, ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال, رب أصبت ذنبا فاغفر لي فغفر له, ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال: رب أصبت ذنبا فاغفر لي, فقال الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ به, قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء"البخاري باب التوحيد 13\474 رقم 7507, ومسلم في التوبة باب قبول التوبة من الذنوب 3\2112 رقم29 وأحمد في المسند, ,أبو يعلى,من حديث ابو هريرة. فليس في هذا اطلاق واذن منه سبحانه له في المحرّمات والجرائم, وانما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك اذا أذنب تاب.

واختصاص هذا العبد بهذا لأنه قد علم أنه لا يصر على ذنب, وأنه كلما أذنب تاب, حكم يعم كل من كانت حالته حاله, لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما هو مقطوع لأهل بدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت