الصفحة 9 من 53

في ضوء هذه الصفة التي ينفرد بها كتاب الله وما أوردناه عاليه من فهم لآيات الله الكونية وحقائق الوجود وعلاقة الغيب بالشهادة وأصل المادة، يجب أن ندرك أن كلام الله هو أعظم وأروع تجليات غيبه وربوبيته للكون. وعلى هذا يجدر بنا دراسة خصائص القرآن الحكيم سيما التي تعبر عن إعجازه في مجال العلوم الطبيعية والمعرفة الكونية، وذلك من حيث شموله هذه المعرفة وحفظه وثبوت حقائقه وثباتها في كل مكان وخلودها في كل زمان، ومن حيث أنه مجال للبحث والتفكر وطريق للهدى والاستقامة. وهنا يمكن - في إطار هذه المعرفة الكونية - مناقشة خصائص هذا الكتاب العظيم من الجوانب الآتية:

أولًا: خاصية شموله المعرفة الكونية:

لقد أسلفنا القول بأن الكون المنظور إنما يمثل حالة محدودة من وجود غيبي أوسع من أن ندرك طبيعته، وأن القوانين التي تصف السنن الكونية إنما تمثل حالة خاصة من ناموس الوجود. ولذلك فإن العلم الكوني لا يعدو أن يكون جزءًا من المعرفة الكلية. وهذا واضح من قصوره المرتبط بمفاهيم المكان والزمان والمادة، أو من ناحية أخرى، بتاريخ نشوء الانسان على وجه الأرض ومدى إدراكه المعرفي. بهذا فالعلم الكوني أو الطبيعي لا يخرج عن ما يتوصل إليه العقل الانساني من حقائق عن الكون والطبيعة. والقرآن وهو يقرر (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [سورة الانعام:الآية 38] يورد كثيرًا من هذه الحقائق الكونية تصريحًا أو تلميحًا، وفي ما سوى ذلك يحرِّض العقل ويحثه على التدبر والتفكر والنظر في آيات الله. ويأتي الخطاب القرآني في ما يتعلق بآياته تعالى الكونية على ثلاثة وجوه؛ اخبار عن حقائق يمكن اختبارها، وحقائق لايمكن اختبارها وحقائق يمكن استنباطها وسناتي لمناقشة كل منها في الآتي:

(أ) حقائق قابلة للاختيار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت