إن سمو عالم الغيب وتضمنه الكون الطبيعي ينسجم مع شمول الوحي وهيمنته على العلم الطبيعي ومن ثم يدل على وحدة العلم وحدةُ الخلق بين عالمي الغيب والشهادة وارتباط كل ذلك بأصل واحد مستمد من الذات المتفردة بأحديتها المتميزة بصمديتها. وهنا يجب ألا يُخلط بين ما نُعنيه من وحدة الخلق في هذا السياق وما ذهب إليه بعض الغلاة من مقولة"وحدة الوجود"التي لا تتفق في مضمونها ومراميها مع ما يعالجه هذا البحث. أما هذا البحث فيتناول من خلال هذه العلاقة التوحيدية التواؤم بين العلم المستمد من الوحي مع شموله والعلم الطبيعي مع قصوره.
قصور العلم الطبيعي:
من هذا يمكن النظر إلى العالم الطبيعي وما يحدث فيه من ظواهر بحسبه مظهرًا لوجود غيبي. ومن ثم يصير العلم الطبيعي مدخلًا للايمان بالغيب من حيث أن الاعتقاد بحقيقة ما يجري في عالم الشهادة وتبين حدوده يستوجب الايمان بالغيب الذي يمتد وراء هذه الحدود بلا حدود.
كما أسلفنا في ما ذكرناه من أوجه القصور في العلوم الطبيعية والتي كشفت عنها النظريات الحديثة، فإن الباحث المتعمق في دراسة سلوك المادة لابد وان يجد نفسه عند أعتاب الغيب. فالأجسام المادية - كما يمكن تصورها - ليس إلا حالات اختزان للطاقة أو مظاهر لتكوينات متكاثفة وسط وجود ذي طبيعة غيبية على نحو مشابه لقطعة ثلج في بحر تجمدت عن مياهه أو قطرة ماء تكاثفت عن بخاره. وهذه الطبيعة الغيبية يعضدها مبدأ عدم التيقن في الطبيعيات الكمية المؤسس على خاصية"التقطُع"في حالة الجسيمات الدقيقة، الذي يمكن تصوره من خلال ازدواجية جسيمية - موجية أو ( مادية - غيبية) تجعل وجود هذه الجسيمات احتماليًا لا قطعيًا في المكان والزمان.