الصفحة 39 من 53

من ما سبق نجد أن القرآن مصدر لمعارف كونية يمكن إكتشافها إما مباشرة أو استنباطا من نصوصه. إلا أن النص القرآني كثيرا ما يربط بين معرفة غيبية لاتكون عقولنا مؤهلة لإدراك أبعادها، ومعرفة كونية يمكن اكتسابها على نحو ماجاء في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) [سورة لقمان:الآية20] .فقصارى ما يمكن ان نراه أو نكتسبه من معرفة كونية لا يتعدى ما في الأرض أو ما يلبنا من السماء الدنيا. أما بقية السماوات فعلمنا عنها علم عن غيب كما هو علمنا عن الجنة والنار وما وراء ذلك من وجود لا تستوعب عقولنا مكانه او طول زمانه. والتطلع إلى ما يجري في السماوات العلى أو النفاذ إليها مستحيل إلا بسلطان من الله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ) [سورة الرحمن:الآية33] . ولقد أوتي رسول الله سلطانا لينفذ من أقطار السماوات حين عُرج به فالتقى بالنبيين من قبله، كما رأى حال أمته يوم القيامة. ورأى الجنة كما رأى المعذبين في النار، ومنهم من لمّا يولد بعد في الحياة الدنيا. بهذا فإن نبينا قد شهد الماضي كما شهد المستقبل، علما بأن الرحلة بكاملها لم تستغرق - بحسابنا للزمن - الا اليسير جدا. ( .... وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [سورة الحج:الآية47] .. ولان عقولنا مكيفة فقط لادراك ما حولنا من عالم المحسوسات فإن القرآن يمثل لنا المفاهيم الغيبية بصور يمكن استيعابها من ما في الطبيعة. فالجنة أو النار نموذج من الكون الطبيعي يقرب الى أذهاننا مفهومي الثواب او العقاب. وكما جاء في الحديث: في الجنة مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت