... أن الحكم على أداة التورق في حد ذاتها بعدم الجواز، ليس له علاقة مباشرة بموضوع القبض الحكمي، وهو في أصله جائز بالنسبة لحالات استثنائية معينة ومحددة، وقد جوزه الفقهاء في بعض من المسائل التي يصعب فيها القبض الفعلي. وإنما نرجع إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث رقم (6) :"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". ومن توسل بوسيلة صورتها حلال ليأتي بها عملا حراما، فإنما عمله مردود عليه عند الله. فإذا كان العمل نفسه حرام، وكان كل من المقصد والنية فيه واضحين، فلا يحتاج الأمر لكي نحكم على هذا العمل بالحرمة النظر في الوسيلة المستعان بها وهي النض الحكمي. وعلى سبيل المثال إذا وسط كل من طرفي العقد سلعة فعلية كحريرة أو علبة حلوى على سبيل المثال، وتبادلاها بينهما مراعيان في ذلك جميع أركان وشروط عقد البيع، فيقول البائع بلفظ البيع القاطع بصيغة الماضي:"بعتُك هذه السلعة بسعر آجل قدره مائة وعشرون ألف جنيه"، فيرد عليه المشتري بصيغة الماضي أيضا قائلا:"اشتريتُ"، ثم يقبضها منه المشتري قبضا فعليا، وقد يسير بها بضع خطوات إلى الخارج، ثم يعود إلى البائع مرة أخرى ليبيعها له بنفس الأسلوب ويسلمها له، ولكن بسعر مائة ألف جنيه. فالسلعة موجودة في كلتا البيعتين، والسعر معلن بينهما، والصيغة واضحة، والقبض الفعلي تم، والاستلام تم. إلا أن العلماء المانعون لهذا البيع يرون بعد إتمام جميع هذه الخطوات بطلان كلتا البيعتين. والسبب في ذلك أن النية والقصد واضحان من البداية أنهما لم يتوجها أصلا لشراء وبيع الحريرة أو علبة الحلوى، وإنما الأمر لا يتعدى كونه مائة ألف بمائة وعشرين ألفا، تحايلا عليه من خلال بيعتين متتاليتين.
البعد الثاني: مشكلة قبض السلعة: