... وفي واقع الأمر، فإن من أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى دعم صيغة البيع للآمر بالشراء ونشر التعامل بها في بداية حياة البنوك الإسلامية، هو أن العلماء الأفاضل الذين أجازوا هذه الصيغة ـ وفي مقدمتهم فضيلة أ.د. يوسف القرضاوي ـ أشاروا في النصف الأول من الثمانينيات إلى ضعف حديث النهي (حديث رقم 8) الذي يستند إليه المانعون، لأن فيه محمد بن عمرو بن علقمه، وقد قال فيه الحافظ المنذري: قد تكلم فيه غير واحد. وفضلا عن ذلك، قالوا: إن صيغة البيع للآمر بالشراء هذه لا يمكن إدراجها ضمن زمرة البيوع التي ينهى عنها الحديث، واستدلوا على ذلك ببعض التفسيرات التي أوردها بعض العلماء عنه، وهي بعيدة عن مفهوم هذه الصيغة [1] . فعلى سبيل المثال أشاروا إلى تفسيرين جاء بهما أهل العلم لهذا الحديث، أولهما: بأن يقول الرجل أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحد منهما. وثانيهما: هو تفسير الإمام الشافعي رحمه الله الذي يقول فيه: ومن معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة أن يقول أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري، وهذا يفارق عن بيع بغير ثمن معلوم ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته [2] .
ولنا في هذا الشأن أنه رغم أن الرواية الأولى، حديث (8) ، و الرواية الثانية، حديث (9) ، فيهما محمد بن عمرو، إلا أن الإمام الترمذي حسٌَنَ الأولى منهما، وقال فيها: والعمل على هذا عند أهل العلم. كما أن الروايات الثلاثة معا يقوي بعضها البعض الآخر ويعضده.
(1) ... انظر على سبيل المثال: أ.د. يوسف القرضاوي: بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه البنوك الإسلامية، ص 72.
(2) ... أ.د. يوسف القرضاوي: نفس المرجع السابق، ص 73 .