ولستُ في معرض الحديث عن ميزات الديمقراطية، فما هي بالأمر البعيد عن أحد في هذا الزمان، ولكنني أودّ التذكير بأن الديمقراطية جوهر الإبداع، ولا إبداع في المجتمع دون ديمقراطية. وعلى الرغم من أن هناك أمثلة على مبدعين نشؤوا في مجتمعات قمعية، فإن هذه الأمثلة لا تداني في المجتمعات نفسها نسبة المبدعين الذين مات الإبداع في نفوسهم أو حملوه وهاجروا إلى بلدان أخرى. ذلك لأن الديمقراطية لا تعني الحقوق السياسية والاجتماعية وحدها، بل تعني أيضًا إتاحة الفرصة لكل إنسان حسب قدراته واستعداداته. فلا يرتفع الوضيع لأنه يمدح ويداهن، ولا يُهان المبدع لأنه يجهر بالحق ويحرص على أن يُبدي رأيه وينفر من المجاملة. إن الديمقراطية تضع الإنسان حيث يجب أن يُوضع، وتُقدِّره حقّ قدره، وتُنشئ المؤسسات والمعاهد والجامعات والمدارس التي تُربي الإبداع لدى الموهوبين من أبنائها. وليس بين الشرق والغرب خلاف حول هذا الأمر. ففي الولايات المتحدة يوفِّر المجتمع ثلاثة أمور أساسية (8) : التجميع والإسراع والإثراء. أما التجميع فيعني إنشاء صفوف خاصة بالمتفوقين بغية جمعهم في مدارس معيّنة وعزلهم عن أقرانهم العاديين. وأما الإسراع فيعني السماح للمتفوقين بالانتقال بين المراحل الدراسية بسرعة غير السرعة التي يُسمح بها لأقرانهم العاديين. وقد تتم هذه السرعة بتخطّي الصفوف أو ضغطها في مرحلة واحدة، إضافة إلى القبول المبكّر فيها للطالب الذي ثبت تفوّقه. وأما الإثراء فيعني اختيار أنشطة خاصة تُنمِّي مهارات المتفوّق ومواهبه. وفي الاتحاد السوفييتي السابق كان المجتمع يوفِّر مدارس خاصة بالمتفوقين، ويتمّ قبولهم في (الأولمبياد الأكاديمي) بعد خضوعهم لاختبارات محدَّدة لمعرفة قدراتهم.