ولقد تقدم أن أصل الدعوة إلى الإسلام هو الطوع والاختيار وليس الاكراه والاجبار: وهى حقيقة مقررة منذ الفترة المكية لقوله تعالى: { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [يونس:99] ولقوله تعالى: { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [هود:118-119] وأما في الفترة المدنية بعد الهجرة فقد زاد هذا الأمر توكيدًا قوله تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [البقرة:156] .
وقد نهجت الدعوة الاسلامية هذا المنهاج في البلاغ طوال الفترة المكية، بيد أن مشركى مكة قد أنكروا دعوة التوحيد،وأنكروا على المسلمين حريتهم في بلاغها،وذهبوا إلى إيذاء أصحابها والتضييق عليهم ومحاصرتهم ومقاطعتهم،بل إلى التآمر على حياة النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - .. هذا بينما لم يكن هو يبتغى سوى أن يخلوا بينه وبين الناس يدعوهم إلى التوحيد ومكارم الأخلاق .
وقد اتجه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بأَخرَة من الفترة المكية إلى أن يعرض نفسه على القبائل الأخرى لا يطلب سوى الحماية ليبلغ رسالة ربه،فاستجاب له الأوس والخزرج بيثرب، وعاهدوه على الحماية والنصرة ، فكانت الهجرة إلى المدينة إيذانًا بحرية الدعوة والدفاع عنها والتمكين لها .