ومواقفه كلها شرف وبطولة ، فإنه لما نقضت الصحيفة ، وافق موت أبي طالب وموت خديجة ، وبينهما وقت يسير فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه ، فكاشفوه بالأذى ، فخرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف رجاء أن ينصروه على قومه ويمنعوه منهم ودعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ فلم يجد ناصرًا بل آذوه وأغروا به سفهاءهم فرموه بالحجارة حتى أدموا قدماه . فانصرف راجعًا إلى مكة ، وفي مرجعه ذلك دعا بدعائه المشهور دعاء الطائف: (( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني؟ أو عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والأخرة ، أن يحل عليّ غضبك ، أو أن ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ) ) [1] .
(( وأتى جبريل برسالة من الله وقال: إن الله أمرني أن أطيعك في قومك لما صنعوه معك ، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، فقال جبريل:صدق من سماك الرؤوف الرحيم ) ) [2] .
فيا له من موقف عظيم على الرغم من كل ما حدث من إيذاء وتعذيب وطرد ومحاولة قتل وغيره يصبر عليهم صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ به الغضب كل مأخذ فلم يرضى على قومه الهلاك ، بل دعا لهم أن يهديهم وأن يخرج من أصلابهم من يعبد الله فَصَدَقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (( ليس الشديد بالصرعة ولكن من يملك نفسه عند الغضب ) )فيا له من موقف بطولي لا يتحمله سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم [3] .
14ـ موقف زيد بن حارثة:
(1) 1 ـ السيرة النبوية لابن هشام 1/ 260 ، 262 .
(2) 2 ـ نور اليقين: محمد الخضري ، تحقيق: محمود قطان ص77 ، ط . دار إحياء التراث العربي .
(3) 3 ـ زاد المعاد ، ج3 ، ص31 ، 32 .