أقول ورأيت في الجزء الثالث من كتاب"يتيمة الدهر"تأليف عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيشابوري عند ذكر أبي القاسم إسماعيل بن عباد رحمه الله ما يقتضي أن اعتقاده في النجوم على ما دللنا عليه وأنها دلالات وعلامات على ما جعلها الله جل جلاله دالة عليه كما أشرنا إليه فقد قال مؤلف الكتاب عن أبي القاسم إسماعيل بن عباد ما هذا لفظه ولما كنى المنجوم عما هو يعرض في سنة موته قال ذلك:
يا مالك الأرواح والأجسام ... وخالق النجوم والأحكام
مدبر الضياء والظلام ... لا المشتري أرجوه للأنعام
ولا أخاف الضر من بهرام ... فإنما النجوم كالأعلام
والعلم عند الملك العلام ... يا رب فاحفظني من الأسقام
ووقني حوادث الأيام ... وهجنة الأوزار والآثام
هبني لحب المصطفى الخيتام ... وصنوه وآله الكرام
أقول ومما ينبه على أن أبا القاسم إسماعيل بن عباد رحمه الله كان يعتقد أن ربه تعالى كان يمحو ما يشاء ويثبت لا أحكام النجوم زيادة على ما تضمنه شعره الذي أشرنا إليه وما ذكره مؤلف كتاب"اليتيمة"من أبيات شعر له أيضا فقال ما هذا لفظه وكتب على تحويل السنة التي دلت أحكامها على انقضاء عمره هذه الأبيات:
أرى سنتي قد ضمنت بعجائب ... وربي يكفيني جميع النوائب
ويدفع عني ما أخاف بمنه ... ويؤمن ما قد خوفوا من عواقب
إذا كان من أجرى الكواكب أمره ... معيني فما أخشى صروف الكواكب
عليك أيا رب السماء توكلي ... فحطني من شر الخطوب اللوازب
وكم سنة حذرتها فتزحزحت ... بخير وإقبال وجد مصاحب
ومن أضمر اللهم سؤا لمهجتي ... فرد عليه الكيد أخيب خائب
فلست أريد السوء بالناس إنما ... أريد لهم خيرا مريع الجوانب
وأدفع عن أموالهم ونفوسهم ... بجدي وجهدي باذلا للمواهب
ومن لم يسعه ذاك مني فإنني ... سأكفاه أن الله أغلب غالب
ثم ذكر أن وفاته كانت ليلة الجمعة الرابعة والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثمانمائة
ومن الذي عرفوا النجوم العالم فإنه سأله المرتضى عن مناظرة وقعت له مع منجم فقال المرتضى رضي الله عنه في الجواب إنما يناظرك من يقول أن في النجوم دلالات على الحادثات فإن ثبت قوله أن النجوم دلالات كانت هذه الشبهة واردة عليك وعليه وإن بطل قوله أن النجوم دلالات فقد استغنيت عن هذه الشبهة فالمهم النظر منكما هي دلالات أم لا فيقال له رحمه الله أن قال لك المنجم أن هذه الشبهة على تقدير محال فلا يلزم الجواب عنها لأنه إذا كانت النجوم دلالات على الحادثات فلا بد من أن تدل على ذلك الشيء المفروض أما أن يقع أولا ويقال له أيضا ما تقول لو قال نبي من الأنبياء لرجل قد أوحى إلى ربك أن تسافر غدا ويفرض أن يقول مخالف الإسلام أترك السفر وأبطل بذلك نبوته فمهما أجبت عن هذا فهو جواب المنجم الذي يقول إن لله جعل النجوم دلالات على الحادثات
ومما يعارض هذه الشبهة التي ذكر المرتضى أن يتعذر الجواب عنها إنما وجدنا العلماء بالعلوم العقلية يزدادون في أنفسهم علوما وتفضيلا فيما لم يكونوا محيطين بها وبعضهم يزداد على بعض في العلوم العقلية وهذه معلومة منهم لا يحسن الجحود بها فما المانع أن يكون المخبر من المنجمين علمه وحكمه أحاط بأنه يكون ولم يحط العكس عليه كما أحاط علم يونس بعذاب قومه فوعدهم به ولم يحط بنجاتهم منه وكما أحاط علم موسى عليه السلام بأن ميقات قومه ثلاثين ليلة فأخبرهم بها ولم يحط علما بإتمام الثلاثين حتى صار أربعين ليلة وكما روينا أن منجم النمرود أخبره بأن إبراهيم عليه السلام يحرق بالنار وكان عالما بإلقائه فيها ولم يكن أوتي العلم بأنه ينجو منها وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا من رواه عن الصادق عليه السلام ولم يجعل الصادق ذلك طعنا على بطلان علم النجوم فهذا الأصح لعلم النجوم فهذا الأصح لأهل العلوم
الباب السابع