إنّ الكون بكل عناصره مصدر أساس من مصادر المعرفة الإسلامية، والدَّليل على ذلك هو تلك الآيات الكثيرة في القرآن والتي تحث على التأمل والتدبر والتفكُّر في خلق السماوات والأرض وما بث الله في ثناياها من آيات دالة على عظمة خالقها وانفراده بالتدبير. وما يجدر ملاحظته أنّ الكون هو منشأ الظواهر الطبيعية والاجتماعية وهي مجال دراسة الإنسان من خلال وسيلتي السمع والبصر ولكن لا بد من مدخل الوحي إلى الكون إذا أردنا أن نفهم الكون بالطريقة التي تنجم عنها عبادة الله ومفهوم الاستخلاف لأنّ الدخول علي بوابة الكون دون بوابة الوحي نتيجتة العلمانية التي أفسدت كل شيء
وإجمالًا فإنّ نظرية المعرفة الإسلامية لا تقوم على أساس رفض معطيات الحس والعقل لأنّ الإسلام كان أول الداعين له؛ ولكن نظرية المعرفة الإسلامية لا تقف عند معطيات الحس وحدها وإنما تضم إليها معطيات الوحي، وانعكس هذا الفهم على الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها البحث العلمي في التصور الإسلامي.
الخلاصة:
سنحاول في هذه الخلاصة توضيح أهم النقاط والمرتكزات فيما أثرناه سابقًا فنوضح الآتي:
أولًا: إنّ النموذج الغربي الذي يعبَّر عن الرؤية الفلسفية الغربية قد عجز عن الإجابة على التساؤلات النهائية التي تتصل بالإنسان ووجوده ومصيره وموقفه من الوجود ككل، على الرغم من أنّ هذا النموذج يقدمُّ باعتباره النموذج العالمي الأرقى.
ثانيًا: كنموذج للخلل في مدارس هذا النموذج الفلسفي فإنّ المثالية أحالت الوجود الموضوعي للأشياء إلى مجرد أفكار وخواطر واستخفت بعالم الشًّهادة بينما ألغت الواقعية قيمة الفكر في مقابل الوجود الخارجي. وجعلت الفكر مجرد انعكاس لذلك الوجود. يضاف إلى ذلك أنّ التمركز حول الذات أو الشخصية الإنسانية هو منطلق المثالية. فالحقيقة النهائية ليست ذات طبيعة خارجية مادية أو واقعية وإنما هي ذات طبيعة ذاتية.
ثالثًا: لقد برزت المدارس الفلسفية الغربية في أول أمرها داخل وسط لا يشجع على العلم والمعرفة نتيجة لاستحواذ المعرفة اللاهوتية الكنسية على المعرفة عمومًا، ونتيجة لهذا فقد كان توجه الفلسفة توجها علمانيًا معاديًا للدين؛ فصارت قضايا الدين والغيب والأخلاق قضايا لا معنى لها لأنها غير قابلة للتحقق والاختبار التجريبي
رابعًا: إنّ العلم المعاصر- رغم المفهوم الغربي الضيق له- يقدَّم نفسه على أنه موضوعي تجريبي مبرأ من العيوب، إلا أنّ بعض العلماء قد احتجوا على مناهج المعرفة المعاصرة وذكروا أنّ هذه الأدوات التجريبية ليست كافية في الوصول إلى المعرفة، وأنه لا بد من طريقة جديدة للمعرفة ولا بد كذلك للعلم من معنى أوسع. إذ إنّ ملحد القرن التاسع عشر قد حرق البيت بدلًا من أنّ يعيد ترميمه. فلقد رمى بجميع الأسئلة التي طرحها الدين وبإجاباتها معًا، وأدار ظهره لكل مقررات الدين لأنّ القائمين على الدِّين قد خرجوا عليه بإجابات لا يستطيع قبولها. ولكن اليوم وقد أصبح العالم أكثر معرفة واستنارة فقد اتضح لديه أنّ موضوعات البحث الدِّينية ومباحث الدِّين والأسئلة التي يطرحها الدين حول النشأة والوجود والمصير هي قضايا علمية تستحق الاحترام الكامل. وهي قضايا عميقة الجذور في الطبيعة البشرية ويمكن دراستها وتمحيصها بأسلوب علمي رصين. وأنّ الكنيسة كانت تحاول الإجابة على أسئلة رفيعة صحيحة. وهي وإنّ أخطأت الإجابة فإنّ الأسئلة نفسها كانت تستحق القبول والتبرير الكاملين""
خامسًا: إنّ الحديث عن اطراح الفلسفة الغربية للمعرفة اللاهوتية يوضح أنّ الوحي كمصدر معرفي لم يكن مقبولًا لدى المدارس الفلسفية الغربية مما جعل معرفتها تقتصر على عالم الشهادة، أي بمنظور القرآن اقتصر علمهم على"ظاهر الحياة الدنيا". ولما كان علمهم قاصرًا على الحياة الدنيا فإنّ هذه الفلسفة عملت على تضخيم الذات العارفة بجعل الإنسان مركزًا للكون، وهذا يعني أنّ هذا العلم يسعى لتحقيق اللذة والمنفعة للإنسان أي إشباع غرائزه فظهر الخواء الروحي في العالم المعاصر وتعالت الصيحات المنذرة بالخطر.
سادسًا: إنّ النموذج الإسلامي المنبثق من الوحي على عكس النموذج الغربي العلماني يقدِّم إجابات على الأسئلة النهائية، و يقدِّم الوجود على المعرفة ويجعلها تابعة له. ويؤمن بأنّ الله سبحانه وتعالى هو المحيط بكل شيء علمًا، وأنّ الإنسان مخلوق لله تعالى وجزء من الوجود، لا الوجود ذاته مع كونه متميزًا بالعقل الذي هو مناط التكليف.
سابعًا: إنّ الوجود في المنظور الإسلامي شقان:
-وجود عالم الشهادة.
-وجود عالم الغيب.
وما لاشك فيه أنّ انغماس الفلسفة في دراسة جانب مع اطراح الجانب الآخر من شأنه توليد معرفة مبتورة، أما القرآن فإنّه يربط هذين العالمين بحيث لا ينفكان عن بعضهما وعلى ذلك فإنّ الحقيقة العلمية في النموذج الإسلامي ليست حكرًا على التجربة. و الوجود الواقعي ليس حكرًا على الوجود المادي أصلًا.
ثامنًا: إنّ الوحي في النموذج الإسلامي مصدر مهم للمعرفة، ولقد انعكس ذلك على المعرفة ذاتها وطبعها بطابع الصدق واليقينية. وهذا ما يميز النموذج الإسلامي عن النموذج العلماني الذي رفض الوحي مصدرًا للمعرفة فانعكس ذلك سلبًا على المعرفة وطبعها بطابع الظنية والدنيوية.
(يُتْبَعُ)