1 -التوحيد هو الدُّعامة الأساسية للتصور الإسلامي، وهذا التصور الذي يقوم عليه البناء الإسلامي كله، هو جوهر حضارة الإسلام فلا يمكن الحديث عن التصور الإسلامي بمعزل عن عقيدة التوحيد. فإذا تقرَّرت وحدانية الله فإنّ تأليه الإنسان وتأليه الطبيعة مرفوضان قطعًا في التصور، الإسلامي، ولا يمكن بناء أي نظرية إسلامية أو بناء مجتمع إسلامي وفقًا لعقائد الحلولية؛ إذ أنّ ذلك يعني فشل المشروع الإسلامي كما هو حاصل الآن؛ حيث أنّ فشل مشاريع الأمة وتخلُّفها راجع في الأساس لتبنِّيها النموذج العلماني ومقولاته ومقوماته المستندة إلى عقيدة الحلولية بما فيها من تأليه للإنسان والطبيعة.
2 -الإنسان والكون مخلوقان لله تعالى، والإنسان مطلوب منه عمارة هذا الكون ليعينه على تكاليف العبادة، والكون مسخر لهذا الإنسان، فعلاقة الإنسان بالله تعالى علاقة عبادة، وعلاقة الإنسان بالكون علاقة تسخير. وهذا الكون مصدر معرفة للإنسان؛ لذلك كانت الدَّعوة للتفكُّر والتدبُّر والتفقه والنظر في ملكوت الله باعتبار أن ذلك يمثِّل مدخلًا للإيمان بالله تعالى.
3 -إنّ الإنسان مكَّلف ومسؤول عن أعماله وإنه محاسب على أعماله الدنيوية في اليوم الآخر، وهذا الحساب يقتضيه العدل الإلهي. وعلى هذا فإنّ الوجود ليس محصورًا في عالم الشهادة وحده بل أنّ هناك عالمًا آخر هو عالم الغيب، وإنّ عدم الاعتراف بعالم الغيب معناه نفي وجود الخالق. وإذا انتفى وجود الخالق فإنّ البديل هو الفوضوية والعبثية والعدمية كما هو ظاهر للعيان في الفلسفات الغربية التي لم تعترف بوجود إله غير الإنسان أو الطبيعة.
إنّ هذا التصور الإسلامي يعكس تمايزًا بين عالم التنزيه"الألوهية"وعالم الخلق"الكون وموجوداته"وهذا ما لم تنتبه له الفلسفات الغربية حيث لا يوجد هذا التمايز ومن ثمّ فقد حدث الخلل الذي أدى لأزمة الحضارة الغربية. ووجود هذا التمايز وفهم المسلمين الأوائل له هو الذي أدّى إلى سيادة الحضارة الإسلامية لقرون طويلة على العالم شرقيه وغربيه، بل ساهمت في بروز عصر النهضة الأوربية من خلال نزعتها التجريبية، وهي نزعة كرّسها مفهوم عمارة الكون. ولم يبدأ التحلُّل والتآكل في الحضارة الإسلامية إلاّ بعد أن انعدم أو كاد هذا التمايز حيث دخلت العقائد الحلولية وشوّهت عقيدة التوحيد الصافية فكان أن توقفت الحضارة الإسلامية عن العطاء.
ب- الجذور التاريخية للأزمة الفكرية:
إنّ عجز منهج المعرفة الإسلامية كما هو اليوم هو السبب في عجز فكر الأمة عن إصلاح حالها والتصدّي للتحديات التي تواجهها، فجوهر الأزمة هو أزمة في فكر الأمة الإسلامية، وهذه الأزمة تندرج تحتها سائر الأزمات السِّياسية والاقتصادية والاجتماعية
جـ- جوهر الأزمة:
إنّ جوهر الأزمة كما بدت ملامحها سابقًا قد تبلورت في نظام التعليم الإسلامي، وتتلخص في انكفاء جماعة من الأمة على التراث دون تطوير واجتهاد، والتراث - كما أسلفنا- فكر بشري محدود بحدود البيئة المنشئة له، وهذه الجماعة قد أهملت علوم الطبيعية أهمالًا واضحًا الأمر الذي أفضى إلى الإعراض عن عمارة الكون وكانت النتيجة هي هذا التخلف الحضاري الواضح.
أما باقي الأمة فقد رأى في المشروع التغريبي حلولًا لمشاكل الأمة فتبنته بحذافيره على الرغم من أنّ المشروع الغربي كان وليد ظروف تاريخية عايشت صراعًا بين الدين والعلم وهذه الظروف لا تنطبق على الدين الإسلامي ولا العقل المسلم الذي لا يعرف صراعًا بين العقل والدين"الوحي"فلكل منهما مجاله وحدوده وهما يتكاملان لفهم الحقيقة ولا يتناقضان.
إنّ الخلل في كلا المنظومتين السائدتين في العالم الإسلامي: المنظومة المعرفية المنكفئة على الذات والمهملة لعالم الشهادة والمنظومة المعرفية المنفتحة على عالم الشهادة والملغية لعالم الغيب قد أثر تأثيرًا واضحًا على العلم في العالم الإسلامي فأوجد نوعين من العلم: علم ديني وعلم دنيوي. وعلى أساس هذا التقسيم توزعت المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي ما بين المدارس الدينية والمدارس العلمانية
(يُتْبَعُ)