وإذا كان مستنده تصحيح الرواية عمن يحتج به فقوله يفيد صحة الرواية ما لم تكن معلة بعلة لم يتبينها.
وهذه القضية تحتاج إلى زيادة تحرير.
فقد توقفت عندها كذلك حينها، إلا أن خوف ابتعادي عن صلب الموضوع، وخشية إطالة استطرادي، صرفا بي النظر مؤقتا. فعمدت إلى وضع النصين في ردي السابق تذكيرا لحين عودة.
أما وقد توقفتم شيخنا عندها وأثرتم إشكالاها، فنعم لم يقل ذلك ابن جرير -فيما رأيناه أو علمناه- لكن ألا يتصور أن ابن كثير على جلالة قدره، وسعة حافظته المشهورة، وكثرة اطلاعه المعهودة، وقف على قول آخر لشيخ المفسرين لم نقف عليه، خاصة وأنه نص على تصويبه ذاكرا اسمه صراحة، ولعل هذا ينقض ما تفضلتم بطرحه، وبخاصة أن ذكره لشيخ المحدثين جاء عطفا بعد ذلكم التصريح.
ثم ما خلصتم إليه مجتهدين-رعاكم الله- في الإشكال الآخر، قيدتموه بـ"عالم في اللغة"وإن كان كذلك، فلا إشكال إذن.
والأمر في الإشكالين كما تفضلتم يحتاج إلى مزيد تحرير.
لعلك توافقني أن ما ذكره الشوكاني ههنا إنما هو التماس للحكمة من تخصيص الاستعاذة بوصف (رب الفلق) على اعتبار أن المراد بالفلق الصبح، وهذا ليس ترجيحًا يستند إلى مخصص لغوي وقد قيل نظيره في الأقوال الأخرى.
والذي يعتبر تخصيصًا لغويًا هو ما تفضلت بنقله عن الشوكاني في قولك:
هذا المخصص لو صحَّ تطبيقه هنا لكان حجة لغوية مقبولة بمعنى لو أن لفظ الفلق إذا أطلق تبادر إلى الذهن منه عند الإطلاق معنى الصبح لكان ذلك مرجحًا صحيحًا
لكن لفظ (الفلق) يستعمل في لسان العرب لعدة معانٍ صحيحة ولها شواهد كثيرة
1: فيطلق ويراد به الصبح، وفيه الشواهد التي تفضلت بذكرها، وهو إطلاق صحيح لا غبار عليه.
نعم أوافقك شيخنا الكريم من حيث الإجمال، ورغم أن الكثير من المفسرين أورد تخصيصات متعددة كالتخصيص بالعرف عند البيضاوي، وغير ذلك. ولذا قلت:"وسواء كان التخصيص مقبولا أم لا، يبقى المعنى الأول هو الأظهر، والأقرب للقبول".
إلا أنكم تعلمون سيدي وكما أوردتموه من تعدد المعنى للفظ في الاستعمال اللغوي، أنه في مثل هذه الحالة يختار الأشهر منها وأقواها استعمالا، وكان الصبح كذلك، وتأمل معي أستاذي الحبيب، قول الشيخ الشنقيطي رحمه الله:"والذي يظهر أن كل الأقوال ما عدا القول بأنه جب في جهنم من قبيل اختلاف التنوع، وأنها كلها محتملة".
ثم ترجيحه للمسألة بقوله:"والذي يشهد له القرآن هو الأول، كما جاء النص الصريح في الصبح والحب والنوى، كقوله تعالى:"
{إِنَّ ?للَّهَ فَالِقُ ?لْحَبِّ وَ?لنَّوَى? يُخْرِجُ ?لْحَيَّ مِنَ ?لْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ?لْمَيِّتِ مِنَ ?لْحَيِّ ذ?لِكُمُ ?للَّهُ فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ فَالِقُ ?لإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ?لْلَّيْلَ سَكَنًا وَ?لشَّمْسَ وَ?لْقَمَرَ حُسْبَانًا ذ?لِكَ تَقْدِيرُ ?لْعَزِيزِ ?لْعَلِيمِ} [الأنعام: 95 - 96] .
على قدرة الله، وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، وأنه صلى الله
وكلها آيات دالةعليه وسلم ما كان يرى رؤيا، إلا جاءت كفلق الصبح.
والفلق: بمعنى الصبح معروف في كلام العرب.
وعليه قول الشاعر:
يا ليلة لم أنمها بت مرتقبا ... أرعى النجوم إلى أن قدر الفلق.
بل كان استطرادًا نافعًا بارك الله فيك، ونفع بك. وننتظر وقفاتك الأخرى سددك الله وأعانك.
آمين وإياكم شيخنا الكريم.
ووفق الله الجميع لما فيه الخير.
ـ [عبدالعزيز الداخل] ــــــــ [04 May 2009, 07:58 ص] ـ
بارك الله فيك، وأراك كبَّرت أُخيَّك وإنما أنا طالب علم حُبِّبَ إليَّ مذاكرة العلم مع أهله
وتوسمت في أعضاء هذا الملتقى خيرًا
وقد قال النووي في شرح صحيح مسلم: (ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أيامًا)
وروى ابن عبد البر بإسناده عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: لقد أتينا أم الدرداء فتحدثنا عندها
فقلنا: أمللناك يا أم الدرداء!
فقالت: ما أمللتموني قد طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئا أشفى لنفسي من مذاكرة العلم أو قالت من مذاكرة الفقه.
وقد قيل: إحياء العلم مذاكرته.
لكن ألا يتصور أن ابن كثير على جلالة قدره، وسعة حافظته المشهورة، وكثرة اطلاعه المعهودة، وقف على قول آخر لشيخ المفسرين لم نقف عليه، خاصة وأنه نص على تصويبه ذاكرا اسمه صراحة، ولعل هذا ينقض ما تفضلتم بطرحه، وبخاصة أن ذكره لشيخ المحدثين جاء عطفا بعد ذلكم التصريح
هذا مستبعد جدًا، لأنه لو نقله عن غير مظنته لنص على ذلك، وهذا أمر يدركه ابن كثير - رحمه الله - كغيره من الحذاق، واسبر نقوله عن العلماء فيما لا تعلم مظنته تجده ينص على ذكر الكتاب، وانظر على سبيل المثال نقله عن ابن مزين الأندلسي
أضف إلى ذلك أنه ذكر اختيار البخاري وهو في مظنته في كتاب تفسير القرآن من صحيحه
ولو كان في غيره لنص على ذلك
وهو - رحمه الله - يدرك أنه لو أورد حديثًا رواه البخاري في الأدب المفرد مثلًا لكان عليه أن ينص على ذلك، بخلاف ما لو رواه في الصحيح لم يلزمه ذلك لأنه المتبادر عند الإطلاق.
وهذه الحجة قد استعملها بعض متعصبة الفقهاء في تقليد أئمتهم حتى ادعوا ذلك في الأحاديث النبوية التي يستدل بها أئمتهم
والكلام في إبطال هذه الحجة يطول إذ يلزم منها لوازم باطلة كثيرة لا أظنها تخفى عليكم.
بقي الجواب على احتجاجه باختيار البخاري وهذا يكفي في الجواب عنه أن يعلم منهج البخاري في نقل التفسير في صحيحه فهو غالبًا ينقل تفسير مجاهد
وهذا الأثر جاء معلقًا في أكثر نسخ صحيح البخاري ووصله الفريابي فقال في روايته:
ثنا وَرْقَاءُ، عن ابنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، في قَوْلِهِ {بِرَبِّ الْفَلَقِ} ، قال: فَلَقِ الصُّبْحِ).
كما نبه لذلك ابن حجر في الفتح والتغليق وكذلك القسطلاني
فالبخاري لم يزد على أن نقل تفسير مجاهد كما هي عادته وهذا النقل لا يقتضي تضعيف القول الآخر
وما ذكره صحيح من جهة أنه تفسير بالمثال فهو بيان لمعنى صحيح من معاني الآية وقد رواه عن مجاهد.
(يُتْبَعُ)