لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم الزنا فإذا فشا فيهم الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب
لم تزل عقلاء الأمم قديمًا وحديثًا تعتقد بتحريم هذه الرذيلة، وبأنها الوسيلة إلى نقض أسس العمران، والعامل الأكبر على خراب الممالك والبلدان وأنها مجلبة الشر، ومميتة الأخلاق، والضربة القاضية على الشرف والعفاف.
اتفقت كافة الشرائع على تحريم هذه الفاحشة (الزنا) تحريمًا مؤكدًا ووضعت العقوبات الشديدة لإماتتها، وقطع دابرها، حفظًا للتربية، وصيانة للأخلاق العامة، ولئلا تضيع الأنساب، ويقل النسل، وتفقد الثقة بالأصول، فمنها من حكم على الزاني والزانية بأن يوثقا ثم يطرحا في الماء ومنها من حكم عليهما بالإحراق، ومنها من حكم عليهما بالقتل، ومنها من حكم عليهما بصلم الأذنين، وجدع الأنف كما تقدم بيانه ص 430 من المجلد الأول. وفرقت الشريعة الإسلامية في العقوبة بين المحصن وغير المحصن فأوجبت أن يخرج الأولإذا ثبت لدى الإمام زناه إلى أرض فضاء ثم يرجم بالحجارة حتى يموت وحظرت قتله بغير صورة الرجم تعذيبًا له وتأديبًا لغيره، وحكمت على الثاني إن كان حرًا بجلد مأة مع تغريب عام وإن كان عبدًا بجلد خمسين مع تغريب نصف عام، وشددت النكير على المتهاون بإقامة هذا الحد. فقال جل ذكره (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) .
نهى الله تعالى عن استعمال الرأفة والرحمة بالزاني والزانية لعظم هذه الفاحشة التي هي من أكبر الكبائر ولذا قرنها تعالى بالشرك وقتل النفس فقال سبحانه (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثامًا يضاعف له العذاب يوم القيام ويخلد فيها مهانًا إلا من تاب) وسماها أيضًا فاحشة فقال عز اسمه (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقال سبحانه (ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا) .
قال العلماء رضي الله عنهم: الفاحشة أقبح المعاصي، والمقت بغض مقرون باستحقار فهو أخص من الفاحشة. وهو من الله عز وجل في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار. وللقبح ثلاث مراتب عقلي وشرعي وعادي. فقوله تعالى فاحشة إشارة للأول، ومقتًا إشارة