التعليم وفي حركة التشريع بمصر الحديثة.
قسمت مدارس الحكومة إلى درجات معينة: إلزامي وابتدائي وثانوي وجامعي. ووضع لكل نوع من هذه المدارس منهاج خاص، وربما - بل هو الواقع - لا يكون الخطوة الضرورية للنوع الذي يليه من التعليم. ثم لوحظ أنه لا بد أن يكون في المنهاج الخاص لكل نوع وحدة عامة قد تتنافى مع الحالة الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي تكتنف كل مدرسة والتي تؤثر إلى حد ما في محيط تعليمها.
ففي التعليم الإلزامي مثلًا يوجد برنامج واحد شامل لمواد التعليم لكل مدارس القطر الإلزامية، بينما المناطق الجغرافية المختلفة وأحوال البلاد الاجتماعية المتباينة لم تنل أية عناية فيه. وهنا يمكن للباحث الاجتماعي أن يدعي أن هذا المنهاج ليس وطنيًا؛ إن هو إلا منهاج عبر سفينة التقليد من حيز إلى آخر، من شعب إلى غيره، ولكنه لا يقطع بأجنبيته إلا إذا تحقق من نتائجه، ونتائج التعليم مهما أختلف في أسلوبه يجب أن تكون التهذيب، وبلا ريب لم يكن التهذيب في يوم من أيام حياة التعليم الإلزامي نتيجة له، وإن كان مقصدًا له مرسومًا، بل كانت نتائجه، وستكون كلما طال أجله على هذا النحو، إيجاد مشاكل اجتماعية تزداد تعقيدًا على ممر الأيام. وليس أصرح في بيان هذه النتيجة من كلمة النائب المحترم الأستاذ عزيز أباظة عند مناقشته ميزانية وزارة المعارف في مسألة التعليم الإلزامي. فهو يقول: (إن الوسيلة المتبعة في التعليم الإلزامي بمصر قد تكون متفقة مع الأحوال الفنية - وطبعًا هو يعني أنها قد تكون طبق النظريات المقلدة - ولكنه يعتقد أن هذا التعليم في وضعه الحاضر لا يفيد البلاد شيئًا) لأنه لم يقم على أسس البلاد الوطنية.
كذلك إذا جاوزنا التعليم الابتدائي والثانوي، وناقشنا التعليم الجامعي، وخاصة ما يدعى منه زعامة التعليم الأدبي والثقافة العربية، رأينا ما يسمى (بالتجديد) الذي صار نغمة تسمع في كل جدل ومناقشة، ليس ما يجري فيه من التعديل إلا تعديلًا وتغييرًا لا يعدو أن يكون سببه التقليد أيضًا أو هو التقليد نفسه. فمثلًا إنشاء سنة توجيهية، كمقدمة لدراسة الأدب العربي، يدرس فيها آداب اللغتين اليونانية واللاتينية، مع شدة ما بينهما من ناحية وبين الأدب العربي من ناحية أخرى من تباعد وانفكاك، محض تقليد للجامعات الأوربية، فهذه تحتم دراسة اللغة اللآتينية، لأنها مرجع النقل في العلم الغربي وأصل لمصطلحاته الفنية لليوم.