فهرس الكتاب

الصفحة 3266 من 3416

وهو مبتدأ، و"اليوم"خبره، أي: ذلك اليوم العظيم الذي يقوم الروح والملائكة مصطفين، غير قادرين على التكلم عنهم ولا عن غيرهم من الهيبة والجلال، هو اليوم الحق، {فمَن شاء اتخذ إَلى ربه مآبًا} ؛ مرجعًا بالعمل الصالح. والفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر كذلك من تحقُّق اليوم المذكور لا محالة، فمَن شاء أن يتخذ إلى ربه مرجعًا، أي: إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم، فليفعل ذلك بالإيمان والطاعة، و"إلى ربه"يتعلق بـ"مآب"قُدّم اهتمامًا وللفواصل.

{إِنَّا أنذرناكم} بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث وما بعده من الدواعي، أو بسائر القوارع الواردة في القرآن، أي: خوفناكم {عذابًا قريبًا} هو عذاب الآخرة، وقُربه لتحقُّق وقوعه، وكل آتٍ قريب، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] ، وعن قتادة هو قتل قريش يوم بدر ويأباه قوله تعالى: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} فإنه بدل من"عذاب"أو ظرف لمُضمر هو صفة له، أي: عذابًا كائنًا يوم ينظر المرء، أي: يُشاهد ما قدَّمه من خير وشر. و"ما"موصولة، والعائد محذوف، أو استفهامية، أي: ينظر الذي قدمته يداه، أو: أي شيء قدمت يداه وقيل: المراد بالمرء: الكافر.

وقوله: {ويقول الكافرُ يَا لَيْتَنِي كنتُ ترابا} ، وضع الظاهرَ موضع الضمير، لزيادة الذّم، أي: يَا لَيْتَنِي كنتُ تُرَابًا لم أُخلق ولم أُكلّف، أو: ليتني كنت ترابًا في هذا اليوم فلم أُبعث. وقيل: يحشر اللهُ تعالى الحيوان حتى يقتص للجماء من القرناء، ثم يرده ترابًا، فيود الكافرُ أن يكون ترابًا مثله، وقيل: الكافر: إبليس يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون من الشيء الذي احتقره حين قال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12 وصا: 76] . قال الطيبي: والعموم في المرء هو الذي يساعده النظم. ثم قال عن الإمام: فإن قلتَ: لِمَ خُصَّ بعد العموم قول الكافر دون المؤمن؟ قلت: دلّ قول الكافر على غاية التحسُّر، ودلّ حذف قول المؤمن على غاية التبجُّح ونهاية الفرح بما لا يَحصُره الوصف. هـ. قال المحشي: والظاهر أنه اقتصر على قول الكافر بعد العموم في المرء، لأنه المناسب للنذارة التي اقتضاها المقام. هـ. قلتُ: ولو ذكر قول المؤمن لقال: ويقول المؤمن هاؤم اقرؤوا كتابيه، تبجُّحًا وفرحًا. والله تعالى أعلم.

الإشارة: إنَّ للمتقين الله حق تقاته مفازًا، وهو التخلُّص من رؤية الأكوان، والإفضاء إلى رؤية الشهود والعيان، وهو دخول حدائق العرفان، واقتطاف ثمار الوجدان، ونكاح أبكار الحقائق، وهنّ أتراب، لاستوائها غالبًا في لذة الشهود لمَن تمكن منها. ويشربون كأس الخمرة الأزلية، لا يسمعون في حضرة القدس لغوًا ولا كِذابًا، لغاية أدبهم، جزاء من ربك على مكابدتهم في أيام سيرهم، عطاءً كافيًا مغنيًا من الرحمن، لا يملكون منه خِطابًا، لغاية هيبتهم، وهذا لقوم أقامهم مقام الهيبة، وثَمَّ آخرون أقامهم مقام البسط والإدلال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت