فهرس الكتاب

الصفحة 3247 من 3416

يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا نحن نزَّلنا عليك القرآن تنزيلا} أي: مفرّقًا منجمًا، شيئًا فشيئًا، لحِكَم بالغة مقتضية لتفريقه، لا غيرنا، كما يُعرب عنه تكرير الضمير مع"إن"، فهو تأكيد لاسم إن، أو: ضمير فصل لا محل له {فاصبر لِحُكم ربك} في تأخير نصرك، فإنّ له عاقبة حميدة، أو: اصبر لتبليغ الرسالة، وتحمل الأذى؛ فإن العاقبة لك، {ولا تُطِعْ منهم آثمًا أو كفورًا} أي: لا تُطع الآثم في إثمه، ولا الكافر في كفره، أي: لا تُطع كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه، أو من الغَالي في الكفر الداعي إليه، و"أو"للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به، باعتبار ما يدعون إليه، فإنَّ ترتيب الوصف على الوصفين مشعر بعليتهما، فلا بد أن يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر، لا فيما ليس بإثم ولا كفر.

وقيل: الآثم: عُتبة، فإنه كان ركّابًا متعاطيًا لأنواع الفسوق، والكفور: الوليد، فإنه كان غاليًا في الكفر، شديد الشكيمة في العتو. والظاهر: أنّ المراد كل آثم وكافر، اي: لا تُطع أحدهما، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه، فقد نهى عن طاعتهما معًا، ولو كان بالواو لجاز أن يُطيع أحدهما؛ لأن الواو للجمع، فيكون منهيًا عن طاعتهما، لا عن طاعة أحدهما.

{واذكر اسمَ ربك بُكرةً وأصيلا} اي: دُم على ذكره في جميع الأوقات. وتخصيص الوقتين لشرفهما. قيل: لمّا نهى حبيبه عن طاعة الآثم والكفور، وحَثه على الصبر على آذاهم وإفراطهم في العداوة؛ عقّب ذلك بالأمر باستغراق أوقاته في ذكره وعبادته، فهو كقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَكَ يَضِيقُ صَدْرَكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ ... } [الحجر: 97، 98] الآية، وفي إقباله راحة له من وحشته؛ لجهلهم بأنسه بربه، وقرّة عينه به. وفي ذلك أمُره بالإفراد لربه بطاعته، دون مَن يدعوه، لخلاف ذلك من ألإثم والكفور. هـ. من الحاشية. أو: بكرة: صلاة الفجر، وأصيلًا: الظهر والعصر، {ومن الليل فاسجدْ له} ؛ وبعض الليل فصلِّ صلاة العشاءين، {وسبِّحه ليلًا طويلًا} أي: تهجّد له قِطْعًا من الليل طويلًا؛ ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. وتقديم الظرف في (مِن الليل) لِما في صلاة الليل من مزيد كلفة وخلوص.

إِنّ هؤلاء الكفرة {يُحبون العاجلةَ} وينهمكون في لذاتها الفانية، ويؤثرونها على الآخرة، فلا يلتفتون إلى ذكرٍ ولا صلاة، {ويذرون وراءهم} ؛ قدّامهم، فلا يستعدُّون له، أو: ينبذونه وراء ظهورهم، {يومًا ثقيلًا} ؛ شديدًا لا يعبؤون به، وهو يوم القيامة؛ لأنّ شدائده تثقل على الكفار. ووصفه بالثقل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء فادح، وهو كالتعليل لِما أمر به ونَهَى عنه.

{نحن خلقناهم} لا غيرنا، {وشَدَدْنا أسْرَهُم} أي: قوّينا خِلقتهم حتى صاروا أقوياء، يُقال: رجل حسن الأسر: الخلق، وفرس شديد الأسر، أي: الخلقة، ومنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت