خلقكم أطوارًا، أي: أحوالًا مختلفة، خَلَقَكم أولًا نُطفًا، ثم خلقكم علقًا، ثم مُضغًا، ثم عظامًا ولحمًا، ثم إنسانًا، ثم خلقًا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابًا، ثم كهلًا، ثم شيخًا، بالتقصير في توقير مَن هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلًا ونهارًان ولو قُوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلًا واحدًا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: {وأصَرُّوا واستكبروا} ، قال القشيري: ويقال: لَمَّا دام إصرارهُم تَولَّدَ منه استكبارُهم، قال تعالى: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16] . وقال الورتجبي: مَن أصرَّ على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنًا، فإذا رآه مستحسنًا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. هـ.
وقوله تعالى: {استغفِروا ربكم} قال القشيري: ليعلم العاملون أنَّ الاستغفار قَرْعُ أبوابِ النعمة، ومَن وقعت له إلى الله حاجة فلا يَصِل إلى مرادِه إلاّ بتقديم الاستغفار. ويقال: مَن أراد التفضُّل فعليه بالعُذْر والتنصُّل. هـ. وقوله: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيمًا وإجلالًا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإنَّ المشاهدة على قدر المراقبة، فمَن لم يُحْكِم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارًا، أي: درّج بشريتكم في أطوار مُختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكُّل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم.
يقول الحق جل جلاله: {ألم تَرَوْا كيف خلق اللهُ سبعَ سمواتٍ طباقا} أي: متطابقة بعضها فوق بعض، والرؤية هنا علمية؛ إذ لا يُرى بالبصر إلاَّ واحدة، وعُلِّقت بالاستفهام، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق، أو كانوا منجّمين، {وجعلَ القمرَ فيهن نورًا} أي: