فهرس الكتاب

الصفحة 2817 من 3416

وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كُلَّ ما عداه، وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ أي: إنه- تعالى- لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه الغنيُّ عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا أي: وإن تُعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، يخلف قومًا خيرًا منكم وأطوع، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم- وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: «هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثُريا لتناوله رجالٌ من فارس» «1» .

قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إمام الصوفية، والغزالي، حَبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر.

الإشارة: يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسولَ، أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تُبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إنَّ الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدُّوا الناسَ عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر اللهُ مساوئهم، ولا يُغيّبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: لا تضعُفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم لقوله:

وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ «2» ، ولن ينقصكم شيئًا من أعمالكم، بل يُريكم ثمرتها، عاجلًا وآجلًا، ولا يفترنَّكم عن المجاهدة طولُ الأمل.

إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي: ساعة من نهار، وإن تُؤمنوا بكل ما وعدَ اللهُ، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يُؤتكم أجوركم عاجلًا وآجلًا، ولا يسألكم الداعي إليه جميعَ أموالكم، إنما يسألكم ما يَخف عليكم، تُقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويُخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سُئلوا أرواحَهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويُقال لعامة الطالبين للوصول: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ ... الآية.

(1) أخرجه الترمذي فى (التفسير- سورة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ح 3260، 3261) وقال «هذا حديث غريب» والحاكم (2/ 458) «وصححه، وسكت عنه الذهبي» . والطبري فى (26/ 66- 67) وعبد الرّزاق في المصنف (11/ 66) والبغوي في التفسير (7/ 292) وفى شرح السنة (14/ 200) عن أبى هريرة رضي الله عنه وزاد السيوطي في الدر (6/ 55) عزوه لعبد بن حميد، وابن أبى حاتم، والطبراني في الأوسط، (ح 8838) والبيهقي في الدلائل (6/ 334) .

(2) الآية 69 من سورة العنكبوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت