فهرس الكتاب

الصفحة 1931 من 3416

أي: سل عنه رجلًا عارفًا خبيرًا به، يُخبرك برحمانيته. وكانوا ينكرون اسم الرحمن، ويقولون: لا نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة، يعنون: مسليمة الكذاب، وكان يقال له: رحمن اليمامة، غُلُوًّا فيه، فأمر نبيه أن يسأل من له خبرة وعلم بالكتب المتقدمة عن اسم الرحمن، فإنه مذكور في الكتب المتقدمة.

قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: والظاهر: أن الخبير هو الله، أي: أسأل الله الخبير بالأشياء، الأعلم بخفاياها، والتقدير: فسل بسؤالك إياه خبيرًا. وإنما استظهرنا هذا القول لأن المأمور بالسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، وَتَجِلُّ رتبته عن سؤال غير ربه. والمراد: فسل الله الخبير بالرحمن ووصفه. انظر تمام كلامه.

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي: إذا قال محمد للمشركين: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ صَلّوا له، أو: اخضعوا، قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أي: لا نعرف الرحمن فنسجد له، قالوا ذلك: إما لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى، أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره تعالى. أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا أي: للذي تأمرنا بالسجود له، أو لأمرك بالسجود له من غير علم منا به. وهو منهم عناد لأن معناه في اللغة: ذو الرحمة التي لا غاية لها لأن فَعْلاَنَ يدل على المبالغة، وهم من أهل اللغة. وَزادَهُمْ نُفُورًا أي: زادهم الأمر بالسجود للرحمن تباعدًا عن الإيمان ونفورًا عنه. وبالله التوفيق.

الإشارة: قد تقدم الكلام على التوكل في مواضع. وللقشيري هنا كلام، وملخصه باختصار: أن التوكل:

تفويضُ الأمر إلى الله سبحانه، وأصله: عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله، ولا يقدر أحدٌ على إيجاد شيء أو دفعه، فإذا عَرَفَ العبدُ هذا، وعلم أن المراد الله لا يرتفع ولا يدفع، حصل له التوكل. وهذا القدر فرض، وهو من شرائط الإيمان، قال الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «1» ، وما زاد على هذا القَدْرِ من سكون القلب، وطمأنيته، وزوال الانزعاج والاضطراب، فهو من أحوال التوكل ومقاماته.

فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ودرجات، فأول رتبة فيه: أن يكتفي بما في يده، ولا يطلب الزيادة عليه، ويستريح قلبه من طلب الزيادة. وتسمى هذه الحالة: القناعة، فيقنع بالحاصل، ولا يستزيد ما ليس بحاصل- يعني: مع وجود الأسباب- ثم بعد هذا سكون القلب في حال عَدَمِ الأسباب، وهو مقام التجريد، وهم متباينون في الرتبة: واحد يكتفي بوعده لأنه صَدَّقَهَ في ضمانه، فسكن قلبه عند فقد الأسباب ثقةً منه بوعد ربه، وقد قيل: إن التوكل: سكون القلب بضمان الربِّ، ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نقده.

(1) من الآية 23 من سورة المائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت