فهرس الكتاب

الصفحة 1870 من 3416

ثم قال تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، «مِنْ» الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: بدل من الأولى، والثالثة: لبيان الجنس، أي: يُنَزِّل البَرَد، وهو الثلج المكور، من السماء، أي: الغمام العلوي، فكل ما علاك سماء، من جبال فيها كائنة من البَرَد، ولا غرابة في إن الله يخلق في السماء جِبَالَ بَرَدٍ كما خلق في الأرض جبال حجر.

قال ابن جزي: قيل: إن الجبال هنا حقيقة، وإن الله جعل في السماء جبالًا من بَرَد، وقيل: إنه مجاز، كقولك:

عند فلان جبال من مال أو عِلم، أي: هن في الكثرة مثل الجبال. هـ. وأصله لابن عطيه. وقال الشيخ أبو زيد الثعالبي: حَمْلُ اللفظ على حقيقته أولى، إن لم يمنع من ذلك مانع. هـ. يعني: ولا مانع هنا، فيحمل على ظاهره، وإن الله خلق جبال بَرد في السماء. وقال الهروي عن ابن عرفة- يعنى اللغوي-: سمعت أحمد بن يحيى يقول: فيه قولان: أحدهما: وينزل من السماء بردا من جبال في السماء من برد، والآخر: وينزل من السماء أمثال الجبال من البَرَد. ويقال: إنما سمي برَدًَا لأنه يَبْرُدُ وجه الأرض أي: يُقشره. هـ.

قال البيضاوي: إن الأبخرة إذا تصاعدت ولم يتخللها حرارة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البرد هناك، اجتمع وصار سحابًا، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرًا، وإن اشتد، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها، نزل ثلجًا، وإلاّ نزل بَرَدًا، وقد يبرد الهواء بردًا مفرطًا فينقبض، وينعقد سحابًا، وينزل منه المطر أو الثلج. وكل ذلك لا بد وأن يُسْنَدَ إلى إرادة الواجب الحكيم لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالِّها وأوقاتها، وإليه أشار بقوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ والضمير للبرَد. هـ. أي:

فيصيب بذلك البَرَد من يشاء أن يصيبه به، فيناله ما ناله من ضرره في بدنه وماله من زرع أو غيره. وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ أن يصرفه عنه، فينجو من غائلته.

يَكادُ سَنا بَرْقِهِ أي: ضوء برق السحاب، الموصوف بما مر من الإزجاء والتآلف. وإضافة البرق إليه، قبل الإخبار بوجوده، فيه إيذان بظهور أمره واستغنائه عن التصريح به. وقيل: الضمير للسماء، وهو أقرب، أي: يكاد ضوء برق السماء، ويحتمل أن يعود على «الله» تعالى لتقدم ذكره، أي: يكاد ضوء برقه تعالى يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ، أي: يخطفها من فرط الإضاءة، وسرعة ورودها، ولو عند إغماضها. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي: يصرفهما بالتعاقب، فيأتي هذا بعد هذا، أو ينقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما.

إِنَّ فِي ذلِكَ، الإشارة إلى ما فصل آنفًا، أي: إن في إزجاء السحاب، وإنزال الودق، وتقليب الليل والنهار،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت