وفي (أَسْرَ) لغتان: قطع الهمزة، من الإسراء، ووصلها من السّرى، وقرىء بهما معًا، و (إلا امرأتك) بالرفع بدل من (أحد) ، وبالنصب منصوب بالاستثناء من (فأسر بأهلك) . ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفت أم لا؟
فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان.
يقول الحق جلّ جلاله: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا، وهم الملائكة المتقدمون، لُوطًا سِيءَ بِهِمْ ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا أي: ضاق صدره بهم، وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ:
شديد، من عصبه: إذا شده، ورُوي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقًا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شرُّ قرية في الأرض عملًا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ يُسرعون إِلَيْهِ كأنهم يُدفعون إليه دفعًا، لطلب الفاحشة من أضيافه. وَمِنْ قَبْلُ ذلك الوقت كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الفواحش، كاللواطة وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا، وجاءوا يهرعون إليها.
قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثًا. هـ. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم «1» ، وقال: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أحل لكم، أو أقل فحشًا، كقولك: الميتة أطيب من المغصوب، فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الفواحش، وَلا تُخْزُونِ لا تفضحوني فِي ضَيْفِي في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح.
قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ من حاجة، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ وهو إتيان الذكران، قالَ لَوْ أَنَّ لِي ليت لي بِكُمْ قُوَّةً طاقة على دفعكم بنفسي، أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرةٍ يحمونَني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلّى الله عليه وسلّم: «رَحِمَ اللَّهُ أَخي لُوطًا لقد كَانَ يأوي إِلى رُكنٍ شَديدٍ» «2» يعني: الله تعالى.
(1) قال مجاهد وغيره: إن المراد ببناته عليه السّلام نساء أمته، وأضافهم إليه لأن كل نبى أب لأمته. []
(2) أخرجه البخاري فى (أحاديث الأنبياء، باب: «ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون» ) .