فهرس الكتاب

الصفحة 1088 من 3416

قلت: (فأتبعهم) أي: تبعهم، يقال: تبع وأتبع، لغتان.

يقول الحق جلّ جلاله: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ أي: جوزناهم في البحر يبسًا حتى بلغوا الشط الآخر حافظين لهم. رُوِي أن بني إسرائيل حين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب عليه السلام قد دخل مصر في نيف وسبعين من ذريته، فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور.

فَأَتْبَعَهُمْ: فأدركهم فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، رُوي أنهم كانوا ثمانمائة ألف أدهم، سوى ما يناسبها من أواسط الخيل. تبعهم بَغْيًا وَعَدْوًا: باغين وعادين عليهم. مستمرًا على بغيه حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي: بأنه لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فآمن حين لا ينفع الإيمان بمعاينة الموت، ومن قال بصحة إيمانه فغلطٌ كالحاتمي «1» فإنه قال في الفصوص: إنه من الناجين، وذلك من جملة هفواته.

قال تعالى لفرعون: آلْآنَ أي: أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك، وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ مدة عمرك وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ: الضالين المضلين، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ أي: ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافيًا على وجه الماء، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس، فيتحققوا بغرق من معك، حال كونك بِبَدَنِكَ عاريًا عن الروح، أو عريانًا بلا لباس، أو بدرعك، وكانت له دُروع من ذهب يعرف بها، وكان مظاهرًا بينها.

لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً: لمن وراءك علامة يعرفون أنك من الهالكين، والمراد: بنو إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيّل إليهم أنه لا يهلك، حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه، إلى أن عاينوه منطرحًا على ممرهم من الساحل، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل امرك، فيكون ذلك عبرة ونكالًا للطغْيان، أوْ حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظيم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور، بعيد عن مظانِّ الربوبية، أو آية تدل على كمال قدرته وإحاطة علمه وحكمته، فإن إفراده بالإلقاء إلى الساحل دون غيره يفيد أنه مقصود لإزاحة الشك في أمره.

وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، والإخبار بهذا الأخذ الذي وقع في قعر البحر من أعلام النبوة إذ لا يمكن أن يخبر بها إلا عَلاَّم الغيوب الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يخلو منه مكان. والله تعالى أعلم.

(1) أيّ: الشيخ محيى الدين بن عربى. []

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت