فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 6802

أمورًا يتعذر على غيره رؤيتها ينظر إلى سيار كأنه هبط عليه وحيٌّ من العلى فينظم فيه المعاني الحسان على حين لو سئل غيره أن يصف السيار لما قال غير نجم منير. وفي أساطير الأولين إن بعض الأمم اعتقدوا بوجود قوة غيبية تلهم الشعراء وتوحي إليه الشعر ولا توحيه لسائر الناس. وما يراه الشاعر في ظواهر الطبيعة يكون مخبوءًا تحت حجاب كثيف لا يرى الناس من ورائه شيئًا على أنه يصبح شفافًا إذا نظر إليه الشاعر فيرى وراءه كنوزًا وركازًا. وقد عني الإفرنج بالشعر الوصفي فأجادوه ويتلوه في الحسن الشعر الذي يمثل الطبع البشري وما في الإنسان من العواطف والأميال وما يتنازعه من الأشواق والشعور الذي يطرأ على الشاعر عند حدوث نكبة عامة وما شاكل ذلك وكل وصف بعث عليه انفعال عظيم.

أما الشعر الرثائي فأحسنه ما نظم عن انفعال شديد كما وقع لشاعر الانكتار العظيم تنيسون حين نكب بفقد صديقه الحميم حلام المؤرخ المشهور فرثاه بقصيدة طويلة رنانة وصف فيها العواطف البشرية وصفًا دقيقًا واستحوذ عليه من الغم في ذلك الخطب المؤلم. على أن الرثاء مبتذل الآن، وكم من شاعر يرثي ميتًا لا يعرف سوى اسمه فيأتي شعره وأمارات التكلف بادية عليه ليس فيه إلا معانٍ تافهة سيقت النفس إلى إبرازها سوقًا. والمدح أسقط الشعر لما فيه من الاختلاق ولاسيما إذا قصد منه جر مغنم أو دفع مغرم فيضطر الناظم أن يبتدع المعالي والمكارم وينسبها إلى ممدوحه.

ويبلغ الشعر المدحي أعلى درجة في عصر البداوة ويأفل نجمه في عصر الحضارة حتى يكاد يكون معدومًا. وكان الشعراء يتخذون هذا النوع من الشعر وسيلة للزلفى من الأمراء واستدرار العطايا من العظماء. والشعر الهجائي أرفع في نظري إن صح أن يكون لي نظر من الشعر المدحي وأقرب منه للغرض المبدئي من الشعر خصوصًا إذا نظم عقيب تهيج حاسة الاشمئزاز من إدراك شوائب ونقائص في الهجو تبعث الشاعر على الهجاء اضطرارًا. وأما إذا تكلف له فيكون من أعمال العقل لا من أعمال الشعور والعواطف. وقد علمت مما مر بك أن الشعر من خصائص العواطف وليس للعقل علاقة به، ولذلك لا يعد من الشعر كل ما نظم من المعقولات والمنقولات، ويدخل تحت هذا الأراجيز على تفاوت أنواعها وآراء الفلاسفة التي أودعت في الشعر وآي الحكماء وعلماء الأخلاق. وبالجملة فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت