هذه رسالة ذي الوزارتين أبي الوليد أحمد بن عبد الله بن زيد المخرومي الأندلسي القرطبي (354 - 463) كتب بها إلى رئيسه أبي الوليد بن جهور من ملوك الطوائف بالأندلس توفي عام (443) يستعطفه بها لما كان في اعتقاله.
يا مولاي وسيدي الذي ودادي له واعتمادي عليه واعتدادي به ومن أبقاه الله ماضي حد العزم واري زند الأمل ثابت عهد النعمة.
إذا سلبتني أعزك الله لباس أنعامك وعطلتني من أحلى إيناسك وأظمأني إلى برود إسعافك ونفضت بي كف حياطتك وغضضت عني طرف حمايتك بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك وسمع الأصم ثنائي عليك وأحس الجماد باستنادي إليك فلا غرو فقد يغص الماءُ شاربه ويقتل الدواء المستشفي به ويؤتى الحذر من مأمنه وتكون منيته التمني في أمنيته والحين قد يسبق جهد الحريص.
كل المصائب قد تمر على الفتى ... وتهون غير شماتة الحساد
وإني لأتجلد وأرى الشامتين إني لريب الدهر لا أتضعضع.
فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها وجبين عض به إكليله وشرفي الصفة بالأرض صاقله وسمهري عرضه على النار مثقفه وعبد ذهب به سيده مذهب الذي يقول:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا ... فليقس أحيانًا على من يرحم
هذا العتب محمود عواقبه وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع.
ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سحابه أو تأخر غير ضنين غناؤه فأبطأ الدلاء فيضًا أملأوها وأثقل السحب مشيًا أحفلها وأنفع الحيا ما صادف جدبًا وألذ الشراب أصاب غليلًا ومع اليوم غد ولكل أجل كتاب. له الحمد على اهتباله ولا عتب عليه في إغفاله.
وان يكن الفعل الذي ساء واحدًا ... فأفعاله اللاتي سررن ألوف
وأعود فأقول: ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك والجهل الذي لم يأت من ورائه حلمك والتطاول الذي لم يستغرقه تطولك والتحامل الذي لم يف به احتمالك.
لا أخلو من أن أكون بريئًا فأين عدلك أو مسيئًا فأين فضلك.
ألا يكن ذنب فعدلك واسع ... أو كان لي ذنب ففضلك أوسع